محمد خضير
مُعلم القصة العربية
الـروائـي قـارئاً

 

محمد خضير
تحت هذا العنوان، سلط الأخ خضير ميري ضوء راعشاً على مقطع أساسي في ورقتي التي قدمت بها الروائي طه حامد الشبيب في اتحاد أدباء البصرة.(الورقة منشورة في ثقافية جريدة طريق الشعب بتاريخ 4/ 7/ 2006).



 وقد حفزني انتقاده قراءتي للشبيب في عموده الصحفي المنشور في جريدة (الصباح) بتاريخ 12/ 7/ 2006على العودة لمناقشة هذا المقطع المتعلق بقراءة الروائي للروائي , ومعاناة الأول اخضاع نص الروائي الثاني (( لانحرافاته القرائية المشبعة بالجرعات المنشطة التي ضختها الروايات الأجنبية في عروق قراءته)) .

 كانت هذه عبارة من ورقتي السالفة الذكراعترفتُ فيها بعيوب قراءاتي الفقيرة قبل أن يفضحها الناقد ميري في عموده الصحفي. لقد فرقتُ في الورقة بين ثلاثة مستويات لقراءة النصوص الروائية العراقية: قراءة الروائي للروائي , وقراءة الناقد المتفرغ للروائي , وقراءة القارئ الاعتيادي للروائي , ووجدت أن عمل الانحرافات القرائية في المستوى الأول أقوى من عمله في المستويين الآخرين , بسبب تماهي الأغراض الروائية واختلاطها بين الطرفين الروائيين من أجل امتلاك زمام النص .     لا تغني قراءة عن قراءات , فلا قراءتي كافية ولا قراءة ميري خبيرة في فتح أبواب النص الروائي المقروء , وقد نجرب قراءة الباب الدوار , ما أن تنتهي دورة حتى تبدأ دورة ثانية , إلى ما لا نهاية , فتحبسنا قراءتنا في اتجاه واحد لا نحيد عنه . لقد اتخذتُ من رواية ( مواء ) للشبيب مثالاً لتجريب قراءة تبحث عن أكثر من سبيل لشفاء عيوبها المزمنة , ولما نجحت أخيراً في استخلاص سبيل إلى النهاية , كانت قد عانت الدوران الطويل حول جدران المتن الروائي المتصخرة أو الحفر تحتها :(( إن النصوص الروائية متعادلة في عيوبها البنائية, لكن القراءة الباحثة عن الشفاء تعدّل هذه العيوب )) . وكانت رواية (مواء) تمتلك في بنيتها الأدبية العميقة قابلية شفاء القراءة الفقيرة بتعديل بنيتها النصية أمام النزوات المنحرفة لقراءة اعتادت حفر سبيلها بصعوبة , والدوران في اتجاه واحد . كانت (مواء) رواية ((كبيرة)) احتضنت قراءة (( صغيرة)) تخاف الانكفاء بعيوبها إلى الوراء في كل خطوة تتقدم بها إلى أمام , أو في نهاية كل دورة من دورات الباب الدوار . إنّ أية رواية عراقية تؤلف سدّاً منيعاً أمام أية قراءة عراقية , فإنْ نجحت (مواء) في انتزاع اعتراف ذاتي بعيوب قراءتي , متى يأتي هذا الدور على قراءات لم تعترف بعدُ بنفورها من مقاربة النصوص الروائية العراقية ؟ ولما كنت أعني هنا قراءات المسـتوى الأول بخاصة ( قراءة الروائي للروائي ) , أتساءل : كيف فات خضير ميري أن يدرك أعراض هذه القراءة المدلهـة بسـحر(النماذج العليا) من الرواية العالمية ؟ هل قراءته مبرأة من هذه العيوب والأعراض ؟ وأي قارئ عراقي يدّعي ذلك؟ وقد أصوغ السؤال مجدداً : هل تعدّ انحرافات قراءة الروائي قاعدة أساسية للتعاطي مع روايات أقرانه , كي تعتدل قراءته وتصحّ وتقوى , أم عليه أن يخفي هذه الأعراض كما يخفيها مريض عن طبيبه المعالج؟    يعتبر أصحاب نظريات القراءة قواعد (( إساءة القراءة )) أو (( أخطاء القراءة )) مفاتيح لفكّ شفرات النصوص وملء فجواتها الدلالية. فلمَ يخجل الروائيون العراقيون من الاعتراف بعيوب قراءاتهم , وهي عيوب ذوقية لا بنيوية , واكتساب شروط القراءة الصحيحة القائمة على انحرافات النص البنائية , وأخطاء القراءة الدلالية؟ إن الروائيين العراقيين يهربون من حقيقة قراءاتهم الفقيرة غير الشافية , بل إن بعضهم لا يقرأ البعض الآخر أبداً . [أنظر مقالة ضياء الخالدي بهذا الخصوص في جريدة الصباح المنشورة بتاريخ 20/ 7/ 2006 ] إن خضير ميري قارئ ألمعي , وقد ((أساء)) قراءة روايتي (كراسة كانون) مرتين. المرة الأولى في مقالته (عجلات السرد) المنشورة في جريدة (الثورة) بتاريخ 6/ 4/ 2001، والثانية في تعقيبه على كلمتي في مؤتمر الرواية العراقية الذي عقده اتحاد الأدباء العراقيين ببغداد في آذار 2002. وقد حمدتُ له في ذلك الظرف اندفاعه لانتقاد عمل تجريبي كان يبحث عبر انحرافاته عن اعتراف شرعي به في نادي الرواية العراقية , وعجبت في الوقت نفسه من استناده إلى نظرية (النماذج العليا) في استنكاره عملي في (الكراسة) . لكني كتمت عجبي وسط أسئلة كانت تعتمل في صدري حول القوة المركزية التي ستقذف بالرواية العراقية إلى خارج الباب الدوار الذي تحركه قراءة (النماذج العليا) من الرواية العالمية. حوت (الكراسة) تخطيطات أولية لتسريع الانقذاف خارج الأبواب الدوارة التي عزلت الرواية العراقية عن المنبع التجريبي الذي تفرعت منه بحوث الرواية الجديدة في ستينيات القرن الماضي. لهذا احتاجت (الكراسة) إلى قراءة مضادة تخرجها من حصارها في المدار المغلق للأبواب الدوارة. ولسنا اليوم بأقل تطلباً لقراءة نصوص المرحلة المصابة بنوع آخر من الأمراض. ولنصوّر وضعنا القرائي الحالي على هذا الوجه: إن جسد القارئ على تماس مباشر مع نصوص تسري عدواها الجرثومية إلى قراءته، كما تسري الجراثيم في جرعة التطعيم المضادة للمرض، حسب مفهوم طب المعالجة المثلية (الهوموباثي). ومن ناحيتي لن أجّرب  كمامة واقية أدرأ بها عن قراءتي عدوى الإصابة بجراثيم النصوص، ما دمت أبحث عن لقاح شاف لها. وأخطر النصوص المثيرة لشـهيتي تلك التي تحمل نوعاً شبيهاً من فيروسات قراءتي، ذلك لأنها ستسري بي  كما أسري فيها، تعالجني كما أعالجها بقراءتي. جرّبت هذا النوع من القراءة الوبائية أول مرة مع رواية (الطاعون) لألبير كامو، فشعرتُ بسريان المرض إلى كيان قراءتي التي دامت شهراً ويزيد، صارعتُ خلاله أعراض حمى حقيقية. أما حين أجهزتُ على رواية (مواء) للشبيب في ظرف أسبوع، فقد اختبرتُ جرعةً مركزة من العلاج المثلي لمرض القراءة الوبائي. وكانت الجرعة حاسـمة وشـافية، وقد دهشتُ لهذا ((التحول)) الذي سرى من (مواء) إلى قراءتي، وإني لمبتهج بهـذا الاقتراب والاندماج في عالم طـه حامد الشـبيب لأنـه أصبح عالمـي بكـل أطواره. عندما قرأتْ رجاء عالم رواية عالية ممدوح (الولع) جرّبتْ ((ولعاً)) خاصاً مخبوءاً في عالم الروائيات المجربات القارئات لمثيلاتهن. بدأتْ رجاء عالم قراءة عالية ممدوحاً بهذه الكلمات:((لا تستهويني آلية الكتب، بقدر ما يستهويني ما تحمله من طاقة، هي من صلب الحياة وتتفوق عليها)). اختزنت مؤلفة الرواية طاقة الحياة في نصها لتنقله إلى زميلتها القارئة لها، فاكتشفت هذه في قراءتها ((فعل الولادة وإعادة الولادة الذي يمارسه المبدعون))،  كما اكتشفت في ولعها بالكاتبة وروايتها ((تلاقحاً بين الذوات )) الموزعة بين جنسي الأنوثة والذكورة . ولا شك في أن الروائيات (( المولعات ))بقراءة مثيلاتهن أقدرمن غيرهن على تلقيح فعل (( الإنتاج )) بفعل (( الولادة ))  , وحياة الشخصيات بتجاربهن الذاتية , و(( إجناسية )) النص الروائي بولعهن ((الجنساني)) . تتفجر طاقة النص تحت قراءة لا تكتم ولعها بعناقه , فيسـري من كيانـه إلى كيانهـا مصل الحياة الشافي , ونشوة الولادة الجديدة . إنّ قراءة (( الولع )) هذه مثال مضاد لمثال القراءة الفقيرة التي تمتص من النص المقروء فيروسات اللقاح الشافي , إلا أن كلتيهما تدرك الشـفاء بامتصاص رحيـق الولادة الجديـدة من نص مكتنز بطاقة الحيـاة الروائيـة الفياضـة.
    أعود فأذكر أخي خضير ميري بنوع ثالث من القراءات الشافية , هو نوع القراءة التناصية , تطرقتُ إليه في مؤتمر الرواية الآنف الذكر , وكان ميري أحد المعقبين على مداخلتي فيه . أشرتُ يومذاك إلى قراءة د.ه. لورنس لحكاية ( المفتش الأعظم ) في رواية ( الأخوة كرامازوف ) لدستويفسكي . لم يعثر الروائي الإنجليزي في حكاية الروائي الروسي الفرعية تلك على دلالة مركزية ملخصة للرواية الكبرى كما أوحى اليه بعض النقاد, إذ لم تكن في نظره إلا ((حكاية مزعجة))  و(( موقفاً متكلفاً ساخراً شيطانياً ))  يلخص حوار المفتش الأعظم لمحاكم التفتيش مع السيد المسيح في السجن , وتغاضى عما تنطوي عليه الحكاية من صراع بين الفكر الشيطاني و الإلهام الروحي في شخصية دستويفسكي الأصلية . ولم ينتبه النقاد أيضاً إلى أهمية (( تضمين )) الحكايات الفرعية , حتى ظهرت حكاية (( القانون أو العدالة )) في رواية ( المحاكمة ) لكافكا , فأصبح هذا التضمين فيروس الرؤيا الكافكاوية السارية في روايات العبث واللاجدوى في القرن العشرين . لا نعلم كيف أخضع كافكا النصوص التي قرأها لقابليته على الاقتباس منها في رواياته , فيما لو كان قد قرأ رواية ( الأخوة كرامازوف ) فعلاً , لكننا نرجح أن قراءة دستويفسكي لمواطنه غوغول قد ألهمته طريقة التضمين الحكائي التي جربها قبله غوغول بدسّ حكاية (الكابتن كوبيكين) في رواية (النفوس الميتة) . ونحن نعلم أن روائيين لاحقين لغوغول ودستويفسكي وكافكا، اطلعوا على تقنياتهم في بناء الحكايات الفرعية وتضمين الشـذرات الرمزية، حولوا قراءاتهم إلى فعل انتقائي، وكشف نقدي، وولع راق بالنصوص المقروءة. وفي الوقت نفسـه، فإننا نعلم أن فئـة من الروائييـــن ((السلبيين)) لم تتخلف في كؤوس قراءاتهم لتلك النصوص إلا قطرات شحيحة من الانطباعات السقيمة، سرعان ما تبخرت بسبب أذواقهم الجافة وخصوبتهم الضعيفة. لقد تساءلتُ آنذاك: كيف لا تجعل قراءة خمس روايات عظمى قارئاً ((اعتيادياً)) أسيراً في دائرتها، وأنّى لروائي ((محترف)) أتمَّ قراءة مئة رواية من النوع العظيم أن يهرب من سطوتها على أسلوبه؟ صرنا نعرف، قراءة بعد قراءة، كيف ينشّط مفهوم التناص إجراءاته في فلك القراءات الفعالة , وكيف يساعد أصحابها على الشفاء من مرض الخمول الابداعي بتلقيح نصوصهم الروائية بأمصال إبداعية مضادة . يستطيع الروائيون الفعالون أن يخوضوا في عالم التناصات القرائية المعدية , فيما يتراجع سواهم الخاملون إلى عوالمهم المعقمة من فيروسات المرض والولع .     نأتي أخيراً إلى السؤال الذي استثاره موضوع العمود الصحفي في ( الصباح ) : كيف يفلت نص لروائي فعال من قراءة فعالة لروائي قرين له , أدمن إحدى القراءات الثلاث المعروضة آنفاً , قراءة العدوى , وقراءة الولع , وقراءة التناص  , وكلها تصب في حوض القراءة الشـافية الذي سـيروي النصوص الذابلـة في حديقـة حياتنـا الأدبيـة الجافـة ؟     إن قراءتي الباحثة عن الشفاء ترنو الآن إلى كتاب خضير ميري الأخير ( حكايات من الشماعية ) لتجهز عليه , تعانق نصوصه وتمتص عسلها , عسل الجنون المستقطر من مصحات الأدب العراقي . أجل , النوع الأخير من القراءات الشافية , هو قراءة الولع بعالم الجنون ونصوصه , عالم أدغار ألن بو ودي ساد وعبد الرزاق الشيخ علي . وهل خرجنا من الباب الدوار لهذا العالم ؟


<<الصفحة الرئيسية