محمد خضير
مُعلم القصة العربية
حلم صقر

محمد خضير

 

خلف حجاب الرقة والهدوء يسطع برق في الأعالي التي يقف عليها الصقر، راميا ً الواقع الأدني بنظرة بروميثيوس المعذب بمصير البشر الناطقين لغة واحدة. والي هذا الصمت الصخري هبط الصقر ، كأنما في سره علامات لغته الثانية . ولا نعني باللغة الثانية الانجليزية التي تعلمها الصقر ذاتيا ً ، بل نضيف اليها لغة الحلم الشاسعة التي كان الصقر يرسلها كالبرق من صخرته في الأعالي . لما هبط الصقر الي الوادي استعمل لغة الجموع الأولي لتفتيت صخور الواقع واستخراج معدن قصصه التي لا يشع بريقها إلا عندما تترجم الي لغة بروميثيوس الثانية .
تلك هي حقيقة القصة العراقية الواقعية ، قصص مهدي عيسي الصقر وجيله ، إذ اكتشفها أهل اللغة الثانية ، بينما صمت عنها أهل اللغة الأولي ، التي لا تثيرهم أعجب الأعاجيب ، ولا يحركهم دوي المدافع وقصف الطائرات للارتقاء الي أعالي الصخور . وكان الصقر حين يتعب من مناقشات حلقة الأصدقاء الصغيرة في سوق ( الهرج ) ويكتفي بما جمع من ملاحظات السوق ، ينسحب الي ( قلعته ) ليداعب أحلامه بلغته الثانية . ويوما ً فيوما ً تصخرت لغة بروميثيوس والتحمت بالجدار الكبير الذي سوّر قصصه ومنعها من الخروج ، سافر أصحاب القلعة فؤاد التكرلي وغائب فرمان وذوالنون أيوب ، ولبث مهدي وآخرون أمناء علي أسرارها ، وحتي بعد خرابها علي أيدي الجموع التي انتبهت الي سكان القلعة الغرباء عن واقعهم . ثم صار الفراق أبديا ً عن ارض اللغات الصامتة ، وعاد الصقر الي صخرته في الأعالي .
نرنو اليوم الي أعمال قصاصي اللغة الثانية ، الذين تكلموا بكبرياء اللغة الأولي ، كاتمين عذابهم واغترابهم ، ونسأل سؤال الرسام غويا الوجودي : ( ما الشيء الذي لا يستطيع الخياط أن يفعله ؟ ) . استطاع القصاص العراقي الواقعي أن يخيط من صمت الجموع الصخري حكايات تروي الطيران من قمة الي قمة ،حتي الاحتراق بوهج الشموس التي تاقت نفوسهم المعذبة نقله الي أهل الواقع الأدنين . تحول حلم الواقع الي شعلة تستعر في أعالي الوادي الصامت .
اتسع احتراف أهل اللغة الأولي ، وبلغ قصاصوها شأوا ً بعيدا ً في حذق خياطة القصص ومحاكاة الخياطين للبروميثيين. لكن أني للظالع أن يبلغ شأو الضليع ؟ولو أني سلكتُ نفسي في مسلك هؤلاء ، فلن أقوي علي تكملة حلم تكرر سرده في ذكريات مهدي الصقر عن قلعته القديمة ، ولم يتسن له أن يكمله . يروي الحلم المطاردة الأبدية لرجل ضائع في طرقات مدينته ، ويبدو الحلم كأنه من اختراع كافكا الذي كتم في أعماقه لغته الثانية ولم يبح بها.
ولكن ما الذي يستطيع خياط من اهل اللغة الأولي أن يفعله ؟ هو ضائع أبدا ً في طرقات الوادي السحيق ، فيما تتقد فوق راسه شعلة الصقر التي لا تنطفيء علي صخرة عالية . فجأة ينبت له جناحان ويحلق في الأعالي .
 
 

شهادة بحق القاص الراحل مهدي عيسى الصقر


<<الصفحة الرئيسية