تحيل القراءة الدقيقة (للفصل) السادس من كتاب القاص محمد خضير (بصر ياثا) الموسوم بـ (الزبير:عين الجمل) (1) علي الاعتراف بموهبة كاتبه، وميله الشديد إلي السرد، فضلا عن تعلقه الشديد بالزمان، والمكان بوصفهمـــــا نصيين يسبغان علي (الفصل/النص) بعدا جماليا يمكن تحسسه من الـــــــقراءة الأولي. لقد سمينا (الزبير:عين الجمل) فصلا تجاوزا، وما هو بالفصل، فقـــد اكتفي كاتبه في صفحة (المحتويات) أن تركه من دون أن يحده في توصـــــــــيف معروف: فصل، أو باب، أو قسم، أو صورة، مكتفيا بوضعه في تسلسل خال من الترقيم، لكن الترتيب المنطقي/الحسابي للقارئ يضعه في التسلسل السادس من بين (مواد) الكتاب (2). (بصرياثا) (3) كما قال اكثر من (قارئ) محير في طبيعية تصنيفه، فهو ليس من جنس القص، أو السرد المحض، ولا هو بكتاب مذكرات، أو سيرة.. انـــــه كما أراد كاتبه (صورة مدينة) فيها مما ورد، ومما لم يرد في التوصــــــــــيفات السابقــــة شيء كثير. قراءتنا (الآن) تكتفي في ملاحقة مدونة الزبير لتشكيل عتباتها، وكشف منحنياتها وصولا إلي الغوص في عمق سياقها لوضعه في مكانه اللائق بوصفــــه (نصا) مكتفي الدلالة، والجمال. تقسم عنوان النص (الزبير :عين الجمل) علامة ترقيم واضحـــة(:)، وفاصلة بين الكلمة الأولي والكلمتين التاليتين... وللعلامة هنا وظيفة بصريــــــة وذهنية تتمثل في توضيح ما قبلها لتحمل القارئ علي إدراك المحتوي الدلالــــــــي المتبادل بين الكلمة الأولي (الزبير) والكلمتين اللاحقتين (عين الجمـــــــــــل)، واندماجهما في ذهن المتلقي في حقل دلالي شامل واحد. ينهض العنوان نفسه علي مدونة شعرية (4) لصقها الكاتب عن عمـــــــــــد لشاعر من البصرة هو: حسين عبد اللطيف لتحيل قراءة اسطرها الشعرية السـتة علي إدراك وظيفتها التعبيرية بوصفها نصا مضمنا لدلالة العنوان الرئيـــــــس... تحت المدونة الشعرية وضعت (صورة) لاعلاقة لها بالنص، أظنها صـــــــــورة لمدينة أبي الخصيب، لعل وضعها في هذا الشكل خطا سببه جهل من مصمــــــــــم الكتاب. إذا كان العنوان هو (الثريا) كما يقول القاص محمود عبد الوهاب (5)... فان الاستهلال، أو الابتداء حافة المتن، أو بعبارة النقاد القدماء:(أول ما يقرع السمع) (6)، وما يقرع سمع قارئ محمد خضير استهلاله المثير:حرف الزاي وهو مكرر برسم كتابي مفرد سبع مرات، ومتبوع بعلامات تنقيط ثلاث دالة علي عدم توقف صهيل الحرف. إن الاستهلال الحر وفي هنا بتتابع تصويت صورته المرئية، والمســـــموعة تكرار متعمد للصورة الصوتية للعنوان ممثلا بالحرف الأول فيه:(ز)، وربـــــــط متقن بين العنوان نفسه وطبيعة الصحراء التي تزأر دائما بصوتها الــــــــــفارق:،ز،ز،ز... تلك هي صورة الزبير:صوتا ومرأي للمدينة المعلقة بين صحراء الله، وصحراء البشر. في الاستهلال نفسه يعتمد الكاتب علي المعجم العربي للتفريق بين (كتب) و(كثب)، ويقارب بين كلمة (زبير) و(صورة) خف الجمل مرورا بالفـــــعل (زبر) و(الزبر) و(الزبور) ص 89. ولأن كانت زبير الأمس خف جمل، فان زبير اليوم راس جمل، وبالــتدوير المقصود بين طرفي الكلام تكون الزبير في كل الأحوال جملا سابحا في صـحراء.
نواة الفضاء يدور نص (الزبير:عين الجمل) في فضاء مهيمنة نواتها (الصـــحراء) وقد انشطرت منها خلايا المتن وتشضت باتجاهات مختلفة عملت علي استقــــطاب الدلالة إلي المركز، ومن ثم الدوران في فلك النص كله... فالأحاديث كلها تـؤدي إلي الصحراء... واللغة بطباقها وشعريتها توصيف دقيق للصحراء، أما مصــادر النص فكلها مشبعة بروح الصحراء... صحراء... صحراء أليس الصحراء كمـــا قال (بلزاك) علي لسان محمد خضير (الله بلا بشر). (الزبير:...) متن مغلق علي الصحراء، في نص مفتوح علي البصــــــرة حاول كاتبه من خلاله أن يكمل ما ابتناه من رؤي سردية في نصوص سابقة لـــعل من أهمها:المملكة السوداء، وفي درجة 45 فهر نهايت، ورؤيا خريــــــــــــف، وكراسة كانون و.... لم يقسم الكاتب نصه علي فقر، أو مساحات معزولة، أو ترقيـــــــــــــمات متسلسلة وانما كان نصه جريدة تخللتها مجموعة من الهوامش، والتقويسات، والتنقيطات، والصياغات المعتمدة علي الاستذكار، واستنطاق النصوص الهامدة في بطـــون التاريخ ، وجغرافية الوهاد والكثبان، والطرق النيسمية. لغة (الزبير :...) مزيج من الوعي الخالص باللغة العالية التي تنـــــفتح علي نشاط المخيلة التي تستمد جمالياتها من مرجعيات حاضرة، ومغيبة، لكـــنها متقدة لعل من أهم مساربها:شعرية التشبيه التي تمنح النص تحولا شكليا يقتفي اثر مادة الشعر بتشبيه المحسوس بالمحسوس مثلما في قول الـــــــــــــــــــكاتب:(الثريا اللامعة كمصباح معلق في عنق الثور الفلكي) ص89، أو في قـــوله:(الصحراء كتاب قديم سارت عليه الأصابع وهرات أوراقه بعد أن حفرت الأقلام متونه) ص91 وإذا كان التشبيه الأول لم يغادر تشبيه ما هو صورة مركبة بمـــا هو مفرد واحد،فان التشبيه الثاني حقق شعريته عن طريق إخفاء أداة التشـــــبيه (الكاف) التي جعلت من التشبيه المحض تشبيها بليغا، فضـــــــــلا عن تجــــــاور استعارتين متتاليتين قوامهما الشعر لا النثر. وقد يكون التشبيه في لغة محمد خضير في نصه هذا جمعا:وهو ما تـــعدد فيه المشبه به من دون المشبه في سلسلة انساق تصويرية تؤكد مبدا التكرار في المعني لا اللفظ كما في قوله (الصحراء وحي، ضوء، فراغ، صوت، اثـــــــر) ص91.. التشبيه هنا بليغ هو الآخر ويستمد بلاغته من فقدان الأداة، وحضـــور الصورة المكثفة، والمتعددة للمشبه به، هي غير تقليدية وحسبها الانتماء إلـــــــي فضاء الشعر. إن الشبيه في (الزبير:عين الجمل) يستمد شعريته من (المأ لـــــــوف) المغيب تحت عباءة اليومي، والراهن في الحياة، ولك أن تقرا:(إن الغربــــاء هبة الله كا لمطر) ص 93، أو قوله:(إن الحرية شيء يستحصل كا لزبـــــدة تفرز من لبن الممخضة، وكالماء يمتح من بئر أو فلاة) ص94. أقرا تشبيهاته الأخري :(كان السجن جبا مفتوحا للسماء..) ص 92 و:(كـــان الصيف موسم الرحيل إلي كوكب العقرب) ص92 لتزداد يقينا بدنو لغة الكـــاتب من الشعر. وتمنح الاستعارة ــ بما تملك من قوة المجاز ــ لغة الكاتب شعرية لا يمكن تجاهلها وهي تجسم النثر وتجسده، فجدار الطين ينادي معولا ص90، وسهـــــيل يودع زوجاته المتثائبات من بنات نعش ص92، والغبش الوردي البارد يزيـــــــل هواجس الظلام ص93، وبوصلة الأمل في الرأس تمسك ببقية الاتجاه الصـــحيح ص93، فضلا عن احتواء لغة الكاتب محمد خضير علي جمل مترعة بالتوصيـف الشعري الجميل... ومن الجماليات المؤثرة في معني نص محمد خضير هذا:التضاد الذي يأخذ بعدا دلاليا يمنح التشكيل النثري متسعا من المطابقة التي تبرز الشيء ونقيضــــــه لنقرأ قوله الذي يقول فيه:(تؤشر الخرائط مواقع، آبار، وغدران، وبــــــرك، ووديان، واكمات، وجبال، ومراع، ومواطن قبائل تعوزها قدرة تخييل البـــــرق عند بدوي يفرز السحابة الممطرة (المزنة) عن شبيهتها الكاذبة (المخــيلة)..) ص92، أو قوله:(رسم السجين خريطة الفرار علي جلد قربة ماء فارغـــــة ناسخا طبوغرافية الخوف بطبوغرافية الحرية) ص92 حتي نكتشف أن لـــــــغة النثر تدخل في فضاء الشعر. أما (التناص) في الزبير:عين الجمل فيأخذ شكل تداخل نصي مع كـــــتب الجغرافية، والتاريخ، والشعر، والأدب، وما هو موروث في اللغة المحكــــية.. فمن كتب الجغرافية اخذ محمد خضير الخطط، والإحصائيات السكانية،والإشارات المستمدة من الخرائط، ومعالم البوادي، والآبار والبرك... ومن كتب التاريـــــخ اخذ حكاية بناء مدينة البصرة، وولادة مدينة الزبير، وبناء المهاجرين النجـديين أبراج الزبير واسوارها، ورحلة الزبير بن العوام إلي نهاية الدنيا، ومن الشــــعر اســــتمد محمد خضير صورة كلكل الجمل ص89 في إشارة تناصية إلي هـــــــــذه الصورة عـــند امرئ القيس في بيته الشهير: فقلت له لما تمطي بصلبه واردف أعجازا وناء بكلكل (7) أما قوله:(و يتسقطوا رجع الأجراس المهتزة في أعناق المطايا التــــي تسيل بها الفلوات) ص 91 فهو يتناص مع لغة الشاعر كثير عزة في قولــــته: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الاباطح (8) أما حكاية (الهارب) مع المرأة البدوية فهي الأخري تتداخل مع حكـــــــاية الشاعر محمد مهدي الجواهري مع البدوية (أم عوف) والتي خلدها في رائعــــته الشهيرة(يا أم عوف) (9) وكان قد نزل ــ وهو في طريقه إلي مدينــــــــــة (علي الغربـــي)ــ ضيفا عليها.. وكان هوالاخر طريد السلطة والصحراء. إن التناص هنا لا يأخذ شكل مدونة تتخذ من عمل النصوص بعضهــــــا مع بعض بإشارة دالة إلي المرجعيات الغائبة أو المرحلة فقط وانما يأخذ شكـــــــــــــل (ثقافة) رسخت يوما في ذهن الكاتب، ثم محيت لتولد ثانية في شكل كتابي لـــــه علاقة بالأرض. ويتخذ (التضمين) بعدا جماليا آخر في لغة الكاتب وسرده، ولكــــــــنه في الزبير:عين الجمل يتخذ طريقا واضحا في إنشاء حكايات قصيرة كثيرة فــــــــــــي إطار الحكاية الكبيرة حكاية الزبير التي هي عين الجمل لتعمل تلك الحكـــــــــــايات علي تأكيد نزعة الكاتب السردية وإدماج رؤاها في الحكاية ألام ولك أن تـــــــــــقرأ حكايات:وائل بن قاسط، واسماء بنت دريم، وحكاية السجين الهارب الـــــــــذي أمضي سواد ليلته في بئر صخرية ثم استغاث بالجدي لكي يحدد مسيرة هربــــــــه الليلي نحــو الحياة، سار ولم يتوقف إلا في المحطة التي تقع في الجزء المخــــيف من الطريـــــق، بات ليلة ثم جدد المسير علي الرغم من قروح قدميه اللتيـــــــــــن أوصلتاه إلي خيمة بدوية ص 92، والزبير بن العوام، وابن بطوطة، وقصــــــــة بلزاك (هوي في الصحراء) وقافلة الأعراب، والمريضة البدوية، وحائــــــــــك الكلام، بهلول حلقة البدو الذين يأخذون بأطراف الحديث يحوكونه، والحـــــــــديث كينـــــــــونة القافلة ولبها ص 96، والفريد ثييغر، والأبلق حصان السمــــــــؤل، وقافلة الظفـــير، ورواية لامارتين، والصقار، والأميرة والبيزار، والشــــــــــيخ والحمار، والإسكافي الذي يصنع الخفاف اليمنية في سوق الزبير القديم الذي كان آخر صناع الخفاف المهرة، الذي لم يكن يتوقع أن يأتيه من يطلب شراء النـــــــعل الذي بين يديه حتي كانت ليلة داجية بدد ظلامها ضوء سراجه النحيل حينما وفــــد عليه رجل مغبر، لم يكن يعلم انه من موتي المدينة، وبينما كان الإسكافي منشـــغلا بخصف الخيوط الأخيرة من النعل الذي بين يديه، جلس الغريب القادم من بـــــلاد الموتي علي الدكة المقابلة، فلما فرغ الصانع من إتمام صناعة الخف بادره الرجل الغريب وانتزع الخف من بين يديه ليهوي بها علي رأسه فكانت ضربة قاضية فــر من بعدها ليسجل موت آخر صانع للخفاف في سوق الزبير ص101. وقد ضمن الكاتب نصه سردا عن لوحات تشكيلية منها حديثه عن ابل الرسام العراقي القديــم (الواسطي) في لوحاته الشهيرة ص95:(لعل أروع مابلغه الواسطي في رسم الجمال، هو صورته التي تجمع عشرة جمال تسير محتشدة بجانب بعضها وقـــــد رفعت رؤوسها إلي الأعلي، وتسير متقدمة نحو الأمام فلم يشأ الفنان أن يبقي هذا النسق الممل فرسم اثنين منها يحاولان أن يأكلا الحشائش المــــــــزروعة) (10)، ولوحات بروجل ص97، ولوحة الفنان الفرنسي (جان ليون جيـــــــــــــروم) ص97 التي خصها الكاتب محمد خضير بحديث طويل قال فيه:(في اللوحـــــــة ثـــــــــلا ثة أعراب ملثمين يمتطون الخيول، تحني الآماد المبسوطة هاماتـــــــهم، و يخلو كل راس إلي خاطره، فارسان متجاوران في المقدمة، يسند أحدهــــــــما رمحا طويلا إلي كتفه، يتبعهما ثالث مشتمل بطيلسان احمر يغطي رأســــــــه و جسمه ويتـــــــــــــهدل علـــــــي جانبي فرسه...) ص97. إن تضمين هذه اللوحات التشكيلية في سرد الكاتب هو ابتهاج بما فيهــــــــــا مــــن حياة جد محمد خضير في استحضارها لكي يعطي نصه شكل مدونة مضـمنة قريبة جدا من وعي المتلقي ومن أصول ثقافته العامة. والتضمين لا ينتهي عند هذا الحد بل يتعداه إلي الأمكنة التي اتخذت في نص الكاتب شكل جغرافية معرف بها، فضلا عن الأسماء التي تكرر ذكرها لارتباطـــهـا الدقيق بالأمكنة، ولك أن تقلب جغرافية المكان وأنت تتخيل الأمكنة الآتية:وادي النساء، ومحلة حرام بن سعد، ووادي السباع، ودار الإمارة، ووادي البــــاطن، ودرب الخائف، وجبل سنام، فضلا عن الشوارع، والمسجد، ومؤسســــــات الحكم، والسوق، والآبار. وأدي التكرار أثرا في إظهار الدلالة وتبين انساقها فقد كرر الكاتب الرقـــــــم (6) ثلاث مرات بشكل أو بآخر... فنص الزبير:عين الجمل هو (الفصـــــــل) السادس من الكتاب.. أو موقعه السادس من ترتيب العنوانات الداخلية للكتــــاب، وقصيدة حسين عبد اللطيف التي نهض بها العنوان تتالف من ستة اسطر.. وقال الكاتب واصفا الزبير:(مدينة في طرق البلاد، تسورها ست علامات:الجمل، المطر، البئر، القبر، الصقر، الصحراء) ص 91. وبعد فان محمد خضير ابتدأ نصه بكلمة (زبير)، وختمه بكلمة (زبــــير) وكأنه وضع القارئ في محيط دائرة مسورة بحرف الزاي!
الهوامش: 1ــ ينظر:بصر ياثا.. صورة مدينة:محمد خضير:منشورات الأمد:ط 1:بغداد 1993. 2ــ ينظر:نفسه:5. 3ــ بصر ياثا:من أسماء البصرة ويقال انه آرامي. 4ــ نصها: محنية في الرمل تبحث عن خاتم صبارها المر يرن أو يلهث بعيرها يرغو وتعول الريح ومن المؤكد أن هذه الأبيات تمثل بها الكاتب ؛لأنها قراءة دقيقة لوجـــــه الزبير. 5ــ ينظر: ثريا النص مدخل لدراسة العنوان القصصي:محمود عبد الوهاب:10:الموسوعة الصغيرة:بغداد 1995. 6ــ معجم المصطلحات البلاغية وتطورها:د. احمد مطلوب ج1:30 مطبـــعة المجمع العلمي العراقي ط 1:1983. 7ــ شرح المعلقات السبع:الزوزني:35:ط 3 دار الفكر بيروت. 8ــ ينظر:أسرار البلاغة:عبد القاهر الجرجاني تحقيق محمود محمد شاكــــر :21 دار المدني ط 1:1991. 9ــ ينظر:ديوان الجواهري:ج 4:119 جمع وتحقيق د. إبراهيـــــــــــــــم السامرائي، د. مهدي المخزومي، د. علي جواد الطاهر، الأستاذ رشـــــــيد بكداش بغداد 1974. 10ــ مقامات الحريري المصورة:ناهدة عبد الفتاح النعيمـــــــسي:162 وزارة الثقافة والإعلام بغداد 1979.