|
البطل كائن لا وجود له
جبار النجدي
تولّد عملية إقصاء الشخصية المحورية في قصة (حكاية الموقد) ووضعها في منزلة (المحذوف) إشكالية مجازية تنطوي علي قدر من الافتراض يتعلق بـ(كائن لا وجود له) حيث تغيب الشخصية وتتلاشي تاركة تصورات الآخرين عنها بصورة استفهام لا ينقطع. فالحوار بين الشخصيات يوحي بأن رب الأسرة المتوقعة عودته كل مساء يعرفه الجميع ولكنهم لم يروه أبدا. أن غيابه متأسس علي إلغاء حدود العلاقة بأي معني محدد وهذا يعني أن النص لا ينطق بمعان متساوية حول الشخصية (المقصاة) فكل لحظة غياب بإمكانها أن تنتج معانيَ بعيدة عن التصور توجه الاهتمام بشكل مختلف نحوه وتستبدل مشاعر الشخصيات في القصة. إن الصمت والغياب يقفان قبالة بعضهما في القصة ليخلقا (سراب الشخصية) التي تديم حالة التوتر في القصة وتعمق صورة الغائب المتغيرة بتغير المتلقين. إن الأشياء تغرق جميعها في الصمت الملتبس بخواص الغائب الهائم في ضباب الموت، غير أن وهج الحياة لن يتلاشي كلية، فعملية إقصاء شخصية (رب الأسرة) تتحول إلي معني من معاني الانتظار متساوقة مع السياق السمعي لمشاهد السرد القصصي المأهولة بتنويعات الأداء الصوتي للقطار وتنغيمات (الكتلي) الذي (ينوس فوق عارضتي الموقد). وكلا الصوتين يحملان أيضاً معني منتظرا لصورة الغائب وهو (معني شبحيٌّ محومٌ في أفق النص) بحسب تعبير جاك دريدا. إن بنيتي الصمت والغياب ينتجان عبر القص انتظارا مفتوحاً يفترض فكرة عودة الغائب التي تغرينا خلال سياق السرد القصصي بوصفها عودة متأبية وخالدة تتيح للمؤلف فرصة التوسع في مفهومي الغياب والصمت وتصعيدهما ليرتقيا إلي مستويين حذفيين بالغي التأثير فيضعا النص في مصاف آخر يكون بمقدوره أن يطرح التساؤل لا الحل. إن بوسع التعدد الدلالي لمعنيي الغياب والصمت في القصة أن يسهم في إحكام مغاليق رسالة الغائب أو إعادة تشفيرها في كل حين رغبة في تغييب (لغز الحل) وخلق شعور نفسي متغير وحالة من الإدراك لا شكل لها بين أفراد الأسرة. إن تقنيات الإقصاء تفلح في إثارة ما يمكن اعتباره حالة لتحريك (البني الغائبة والمتأهبة للتشكل وراء النصوص) وتضع بنيتي الغياب والصمت في تماس عميق مع الشخصيات لدرجة أن مظاهرهما تلتصق بأوصال أفراد الأسرة وتتشبث بالأشياء والموجودات كلها في حين تتخذ الشخصية المقصاة من الغياب ملاذا لها. وعلي صعيد مماثل تملي اشتراطات الانتظار لأمد طويل نوعا من الصمت المرتبط بإدراك معني ما ظل متخفيا وراء حادثة غياب رب أسرتهم صمت شبيه بما يحدث (علي رقعة لوحة شطرنج فارغة) فالغياب يوصل العلاقة المتوترة بالصمت ويتكتم علي سر لعبة البحث عن البطل المقترنة بالانتظار وطقوس الإصغاء علي نحو مستمر للمجهول والتواصل بالحواس بين أفراد الأسرة بل أن (كل الحواس تتناسخ في حاسة واحدة، فهم يشمون رائحة القطار وفضلات المواشي المتخلفة في عربات البضائع ورائحة زيت المكان علي ملابس سائق القطار في ذات الوقت الذي يكادون يسمعون فيه حديث السائق مع مراقب السكة، يتصورون الوجوه المسافرة واحدا فواحدا في أذهانهم، ويبحثون بينها عن وجههم المفقود)ــ قصة حكاية الموقدــ مجموعة المملكة السوداء. إن بنيتي الصمت والغياب تتواريان خلف عبء الانتظار والمراوحة وتدفعان بالشخصيات إلي نوع من التعلق بالسيرورة لخلق تصورات يومية متعددة لديهم تجاه (الغائب) وما يضمره كل فرد منهم من أفكار غير مؤكدة عنه يعاد تشكيلها كل مساء من قبل أفراد أسرته في إطار وقت بعينه إذ بوسع صوت القطار أن يمحوه غير مرة معلقا استعداداتهم إلي مساءات أخري لكن من دون أن يستنفد حصانتهم ضد أي تهديد بنفاد معني الانتظار. أما حكايات (الجارة المقوسة الظهر) فترسم تغيرا مهما في النص يقوم علي تغييب مصائر أبطال حكاياتها ومقارنتهم بغياب رب الأسرة لإثارة مشاعرهم تجاه فكرة (الغياب الأبدي) أو (غياب اللاعودة) الشبيه بمصير أبطال حكاياتها. إن تعددية معني الغياب والصمت في القصة والناجم عن إجراءات حذف الشخصية يدفع باتجاه إنتاج نص مفتوح فبينما تحفل حكايات (الجارة) بموحيات الغياب الأبدي يوحي لنا السارد من جهته بأن غياب بطل القصة (لم يكن غيابا منفصلا بذاته بل متصلا بغيره) وهو الانتظار الموحي بعودة الغائب والمتصل به اتصالا لا غني عنه وعبر هذا النزوع من التضارب في نمطي السرد القصصي والحكائي يمكننا التسليم بأن أهمية الشخصية تكمن في سيرورة غيابها المولد لأسباب التوتر في النص وان الصمت والغياب هما مناسبتان حذفيتان لتغييب معان سابقة تبعاً لأنماط إدراك المتلقي فثمة علاقة متجاذبة بين نمطين سرديين متخاصمين من أنماط السرد القصصي والسرد الحكائي يظهران شكل الغياب المتمتع بحضور لدي السارد من جهة وشكله المتولد عن سيرورة الغياب (اللامتناهي) أو (الأبدي) في حكايات (الجارة) من جهة أخري وذلك يغرينا بالقول بأن الشخصية المقصاة ترتبط بعلاقات متعددة الأشكال مع النص والمتلقين فراوية الحكايات لا تسعي للبحث عن البطل الغائب غيابا أبديا في حكاياتها بينما يلح السارد علي توكيد غيابه الفعال والمتصل بحضور في مجري القص. أن حضوره لدي السارد متجل علي الدوام بصورة غياب حاسم من شأنه أن يجعل الصمت والغياب اقل مقاما من لغة السرد القصصي ذاتها فالمقاطع الحوارية بين شخصيات القصة لا سيما في لحظات الانتظار تجري علي نحو (غير كلامي) وعبر استخدام لغة الصمت فلا نجد رغبة لدي الشخصيات تدفعها للتعبير عن حادثة غياب رب أسرتهم (بمعان كلامية) أو (تبادل لفظي) وذلك ينم عن مقدرة عالية في استخدام تقنيات الإقصاء التي تطال اللغة المنطوقة وتأتي علي حذفها، بل أن النمط السردي القصصي برمته يتشكل من بنيتين متوازيتين ومشدودتي الوثاق لبعضهما هما الغياب والصمت باعتبارهما أكثر أهمية من بطل القصة نفسه فهما يتناوبان في بسط نفوذهما علي المساحات السردية للقص وأمكنته المؤثثة بصمت وسكون مفرطين. ففي غمرة الظلام المليء بالترقب يهيمنان علي كل شيء ولم يبق غير صور الغياب والصمت المستغرقة في القوة وراء نطاق معني الانتظار.
وصف جاك دريدا إن إجرائية الحذف هنا باعثة لمعان متعددة ويمكن وصفها علي نحو مماثل لوصف ( جاك دريدا) الذي يدور حول شخصية ما قائلاً (أن كل البصمات التي تركها خلفه تذكرنا به إلا انه مفقود وغائب). إن بنيتي الغياب والصمت بوسعهما أن تُحدِثا استجابات متعددة لدي المتلقين فالنصوص الناجمة عن عمليات الإقصاء والحذف (لا تقول ما تود قوله) ووفقا لما يراه (جاك دريدا) ذاته فإن المعني في النصوص المفتوحة يكون (شبه استبيان يملؤه القراء). لذا فإن شخصيات القصة علاوة علي متلقيها يحملون صورا متباينة حول المعاني الجسدية للغائب إذ يبدو أشبه بظل خاطف يرتعش بالحياة. لذا فإن قصة (حكاية الموقد) تتضمن مؤلفا و بطلا آخر – في آن ــ تصوغ ملامحهما بنيتا الغياب والصمت القائمتان علي تحطيم معني البطل والمؤلف وخلق تصورات متعددة حولهما......
|