محمد خضير
مُعلم القصة العربية
محمد خضير وحسب الشيخ جعفر: الكتابة تحت وطأة الأمكنة - نصوص استحضرت المثيرات ومزجت الواقعي بالغرائبي

محمد خضير وحسب الشيخ جعفر: الكتابة تحت وطأة الأمكنة - نصوص استحضرت المثيرات ومزجت الواقعي بالغرائبي - علي حسن الفواز

2004/01/23

 
علي حسن الفواز

 

الكل يحتاج للخلاص، والي كسر الأجنحة التي لا تمنح صاحبها القدرة علي الطيران والبحث عن (جماع) للمعاني والأفكار والدلالات بما يسمح للهامش الإنساني أن ينمو ويكبر ويوسع أطرافه ورغباته وحريته، وان تكون مسألة الحرية هي (الجامع للمختلف) والإطار الجمالي الذي لا تتجزأ مكوناته...
اذ يحمل الإبداع شفرات الخلاص وقوة الحرية ليكون هو الإرهاص الإنساني الذي يجيش فيه الإبداع من انثيالات، حيث نجد ان متسع الحرية والحلم والتعامل مع السياسة علي أساس استحقاقاتها يمنحنا طمأنينة مفرطة بقوة الإزاحة والتعويض في الإبداع وتلافي كل التباسات الماضي وطي صفحات العتمة، فأننا نعرف حينها أن صناعة الحرية وصناعة الحلم هما اعقد أنواع الصناعات واكثرهما إثارة للأسئلة وبحثاً في بنية الخلاص. فماذا يعني فوز محمد خضير وحسب الشيخ جعفر بجائزة العويس في حقلين إبداعيين مهمين ؟، أليس هو أعلان للإبداع أولاً، مثلما هو فوز حقيقي لصناعة الحرية والحلم ودعوة للخلاص من المهيمن؟، أن هذين (الصناعين) قد اعادا الثقة بالانسان وحريته وحلمه في ان يكون الابداع مطهراً وخلاصاً ويمكنه ان يكون لعبة في الطيران علي الامكنة الموطوءة!! وكذلك يستشرف هذا الابداع الهم الانساني، ليس لأن هذا (الهم) هو معقد وغرائبي ومحكوم عليه بالمزاج السياسي، لكنه ابداع حقيقي ملأ الدنيا وأشبع الوجدان وازاح الكثير من شروط التراكم المعرفي والجمالي ووضعه مجدداً علي رأس أجندة الثقافة العربية والإنسانية . الجسد الثقافي العراقي كان مكشوفاً امام حروب غير مبررة، وغير عقلانية... مساحاته تضيق في الداخل المحكوم والموصوم، وتتسع في المنافي عند مخاوف اقسي منها الأطمئنان!!
ولعل مشاغل محمد خضير وحسب الشيخ جعفر الابداعية وجدت في هذا الجسد مثيرات واستحضارات امتزج فيها الواقعي بالغرائبي بالمثيولوجي باللغوي الغائر في اعماق السحر والشفرة والمعني الوحشي وهو ما نجده في سرديات محمد خضير وفي بينات الحضور الشعري التي اراد منها حسب الشيخ جعفر ان تكون مجسات لتلمس مكونات لغته النافرة والمتميزة وذات المحمولات التي تؤكد خصوصية تجربته الشعرية. ان الادباء المبدعين يخترعون عادةً لانزياحاتهم معاير وطوفانات وغرائز غير مهذبة تجعلهم اقرب للقابض علي الجمر! يمارسون معجزة الحدس والانحياز الاستباقي للحسم، لكنه الجسد وما اضيقه، تكشفه الرعشة والاهة اللذة والوجع والجوع، فلا يجد مساحات اكثر اطمئناناً سوي ان يخرج مرة اخري لاخطاء القناصين او يهرب في الليل حاملاً كنوزه الصغيرة واحزانه الرمادية وشهوته الغضة واعصابه المكهربة الي (ارض الله الواسعة) عله يجد نخلته ! او (بصرياثا) تعصمه من غرق او خوف الامكنة او من خرائطها المغشوشة... لقد اجترح حسب الشيخ جعفر من لغته منافي متعددة، فهو دائم الترحال بحثاً عن معاني مغايرة وعن جنوب اكثر امناً وعن نساءٍ يحملن ثلج روسيا و(روث) المعيديات في العمارة والمشرح والحلفاية... هذه المدن الصغيرة تغور بغبارها وذبابها ولزوجتها في الذات الشعرية وتلتصق بمكونها التعويضي وهذا ما يجعل الشاعر اقرب لحضورية المكان من غيره لانه يعيد انتاجه دائماً... وينحو محمد خضير هذا الماكث الازلي الي لعبته الساحرة التي يشكل فيها مدنه الاثيرة التي لا تشبه مدن احد... فبصريثا هي خليط من السحر والغرابة والمثيولوجيا لها فحولة القوة ولها لذة التواصل ولها احالة التطهير التي يستعيدها القاص لانقاذ ذاته المهروسة تحت ضغط امكنة الحرب والقمع والتغييب...
..السلطة وخدعة الامكنة..
لقد افرطت السلطة في متاهة الامكنة وفي عزلته بعيداً عن مكونه الرحمي ونسيجه الوجودي.. وتضريج المثقف بالكسل والدم والاخطاء وسحبه من شرطه الكوني الي لحظة محلية دامسة، لم يجد فيها بداً سوي اجتراح تجارب محسوسة لمقاومته، فكتب حسب الشيخ جعفر قصائده التي ترثي موتاه وجسده وامكنته، رغم ان عزلته كانت اقتراحاً بوهيمياً لمكان خالص لها دالة الفكرة والسكرة واعادة تاثيث العالم، كان فيه متأملاً حالماً غائراً باحثاً عن خلاص ينقذه من هذا الخارج السلطوي الموحش... وحين انطلق الي (المنفي)، كان يهمس انه يقترح (ثورة هادئة) لتنبيه العالم عن (الموت العراقي المعلن) وليذكر القيمين علي كتابة التاريخ ودروس الفيزيقيا والسير بأن امكنة الانسان والشاعر كونيه وهي ملك الجميع... وان سلطة القبيلة الرملية تسرقها الأن او تعرضها للنخاسة (الاولية) فهي تكشف الجسد الوطني ومحارمه للحروب والتلوثات وتجره الي مكاره الاخرين، تتعامل مع الفكر بقوة دامية تشوه تنمية الانسان وتتركه لخيارات قاسية وتخنق الهواء ليفسد!! وحين جاءت الحرية علي (ظهر دبابة) لم ير الكثيرون الدبابة رغم حجمها الفيلي لكنهم ابصروا عصافير الحرية، هكذا كان حسب الشيخ جعفر الشاعر المتورط بحب المكان وحب الجنوب ومدنه الرطبة والذي يغني له بلغة دامية، رغم ثرائها الجمالي والرؤيوي وبنائها الشعري الرصين الا انها كانت تقطر ماءً ساخناً واسماكاً ملونة وينبت فيها قصباً وبردياً وحيوات تشع باللذة والطين والطيور الخشبية.. كان هذا الشاعر قريباً من اسطورة المكان وجسده الفضي المشوب بالماء وطيور النوارس.. فكانت نساؤه يشعن بالبريق السومري وطراوة المنبت، ويعلقن ثياب الاسطورة علي اعمدة الماء، وكأنهن خرجن تواً الي التناسل واللمعان ينزفن عند مرايا الليل حصي وشهوات وبللاً مقدساً... ان تجربة حسب الشيخ جعفر في الحرية والجسد والحلم هي تجربة المتعدد في الرؤي واستشفاف ما يمكن ان يجلو من انثيالات ومكونات يمتزج فيها النظر الواقعي بمثيولوجيا المكان وسحر اللغة المنفلت من عياره القياسي الي مشاغل تأثيرية كأن الشاعر فيها يذكر بالرسامين العظام وهم يكشفون السحر عن جسد الطبيعة والانسان،وكذلك يمثل القاص محمد خضير نوعاً من (التابو الكتابي) الذي تحتشد فيه الرؤي والافكار والاسحار والحكايات، فيرسمها بخاصية تجعل من (النص) مجساً يغور في تلمس روح الامكنة، يراقب فيها الدم والقوة، وكهرباء الكائن... وحين كتب (المملكة السوداء) كان يعرف انها ستكشفه امام الاخرين فالمملكة تضاد للون الاسود وخروج عن قاعدة الهارموني المألوف لكنه تحول في سياقة القصيصي الي علاقة اشكالية تثير الاسئلة والشواغل وتكشف عن الاقنعة والاوهام... وهذا هو شأن الابداع ان يتركنا قرب الحرائق دائماً.. اذ ان مجموعته القصصية (في درجة 45 مئوي) اخرجتنا من وهم التعاطي مع الواقع الي ما يمكن ان يصنعه الانسان فوق مطبخ الاشياء (الطبيعة،البيت،التاريخ) انه يمنحنا الاحساس بقدرية الانسان وهو يواجه قوي خارجة عنه، تضلله، تسحقه، تتركه عند درجة حرارة اقرب (للطبخ) لكنه مجبور علي البقاء والمقاومة واعادة صنع الاشياء... وفي مشغله المعاصر الذي اعاد فيه قراءة المكان والسرد وقوة المخيلة والبيت والثياب والعلاقات الانسانية، حاول ان يتوافر علي احساس مختلف بأن لكل الامكنة المهروسة والمتورطة بالواقع امكنة بديلة هي امكنتنا الشخصية التي تأوينا عن جوع أو ظلم أو خوف.. وهذه الامكنة هي احالة لذات المقدس في المكان العالي الذي نعبره عبر السراط انشداداً للسكني والخلاص والتطهر... يظل محمد خضير قاصاً مبدعاً و(شغيلاً) ماهراً في المصنع السردي يبحث عن لذات متواترة في مناطق الجمال وخرائط الامكنة ويكشف عن تفاصيلها السحرية بلغة فنية رائعة يقترح لها اشكالاً غير مألوفة، وكأنه بهذه الصناعة يعيد الينا ذات اللعبة الحقيقية بصناعة الحلم والحرية، فالامكنة هي شرط الحلم والحرية لانها بيت الكائن وفردوسه... لقد اعاد الينا فوز هذين المبدعين الاحساس بأن الحالة العراقية لم تقتلها الحروب ولم تغلق الحكومات عليها الباب.. لان الابداع ظل يهرب منشوراته السرية واحلام مبدعيه عبر شقوق الحائط وعبر زئبق المرايا وعبر مدن غائرة في الماء والطين والملح وذاكرة السفانة .

<<الصفحة الرئيسية