صالح زامل

تحاول هذه الدراسة أن تقارب بين نصين يتفارقان في الجنوسة، فاحدهما ينتمي للشعر والآخر للسرد، والذي يبرر دراستهما مجتمعين أن احدهما على الأقل يتداخل فيه السردي بالشعري بقوة، فيما ظل الثاني أمينا لجنسه بشكل كبير وان تداخل مع فنون أخرى عندما استعار السيناريو في جزء من القصة، لكن هناك غير الجنوسة هي ما يلتقي فيه النصان؛ هو هيمنة الانتظار وسيادة بنية تحيل إليه بوصفه انتظارا يوازي التعطيل أو الموت، لكونه انتظارا مفرغا ليس فيه إزاحة، بمعنى ثبات المنتظر واستمرار الانتظار، وهو يقارب فكرة الانتظار في الأديان، وإن لم يوظفها بصورتها العقيدية، ولكنها تتسلل بوصفها جزءا من منظومة ثقافية، ولست بصدد دراستها لأنها سائدة الآن، فقد التفت إليها في مقالة عن نازك الملائكة منذ أكثر من ثلاث عشرة سنة لكني لم انشرها إلا في الألفين وهي الآن جزء من هذه الدراسة،
فضلا عن اجتماع النصين في اختيار موضوعة القطار التي تتقارب رمزيتها، بقدر غير قليل، في ثقافات الشعوب، ففي الغرب الذي اخترع هذه الواسطة، يمثل القطار صورة المدينة والصناعة في اصطدامها بالحياة الروحية، في أول اختراعها، عندما ثلم التصنيع الكثير من رومانسيتها التي كان انزياحها إلى الفقدان، ثم تنتقل هذه الصورة إلى الشعوب المستعمَرة فيماهي القطار تحدي المُستعمِر وهو ينهب الخيرات، ثم وهو يسخّر الإنسان، مرة أخرى، عندما يُنقل بهذه القطارات لأعمال السخرة في المناجم حتى لتقترن صفارته اقترانا شرطيا بالاستعباد.
وفي الأدب العراقي كان القطار موضوعة لنصوص كثيرة منها نص(مرّ القطار) لنازك الملائكة في ديوانها المهم(شظايا ورماد)، كما نجد هذه الموضوعة من المهيمنات في كتابات القاص محمد خضير ومنها قصته في مجموعة المملكة السوداء(قطارات ليلية) - وهما النصان اللذان تعنى بهما دراستنا- وفي الأدب الشعبي العراقي نجد نصين على قدر عال من الشعرية هما(الريل وحمد) لمظفر النواب و(المكير) لزامل سعيد فتاح، في حين نجد القصيدة العمودية أوائل القرن الماضي قد عالجت موضوعة القطار من جهة الاستخدام والانتفاع بها على أنها آلة مدنية تمثل الحضارة، وهذه الوجهة نظرت للقطار بحياد مجرد من الاصطدام بالحضارة التي يمثلها الغرب، وهي تستقبل بانبهار وتغاضٍ عن بعض جوانب هذه الحضارة، والوجهة الأولى هي ما نحاول أن نقف عنده في قراءة نص نازك الملائكة(مر القطار) ونص (قطارات ليلية) لمحمد خضير.

توجيه القراءة
تقترح نازك قراءة لنصها ضمن بيانها الشعري وهو مقدمة ديوانها( شظايا ورماد) الصادر سنة 1948 فتقول" لن يعثر القارئ على شيء مثير في قصيدة( مر القطار) إن هو توقع أن يجد فيها وصفا لقطار أو لرحلة في القطار، فقد كان غرضي الأساسي من كتابتها أن اعبر عن الشعور الغامض الذي يحسه المسافر ليلا بالدرجة الثالثة من القطار، فهناك حالة من التعب الكلي التي يجد فيها المرء نفسه مشوباً بلون من الكسل والارتخاء، وهناك صوت عجلات القطار الرتيب الذي لا يتغير، ولون الغبار المتراكم على كل شيء، على الحقائب وعلى الوجوه والثياب ثم هناك منظر المسافرين".
لسنا معنيين بإغراء الإحالة إلى قراءة معينة، هذا الذي لا يخرج كثيرا عن التمرد على المباشرة التي وصمت بها النصوص العراقية السابقة أوائل القرن الماضي، وهي تتحدث عن القطار، والذي نريده من هذا الاقتباس أن هناك نية أن تكون دلالة القطار دلالة متوهمة.
على أن دلالة القطار في نص( مر القطار) تقارب من جهة أخرى صورة الحياة والحركة فيها، فالسعة التي تمثلها تلك الواسطة والرحلة الطويلة تبدو معها وكأنها قطعة من الحياة وقد انتزعت بناسها- باعتبارهم شيوخاً وشباباً، رجالاً ونساء، صبياناً وأطفالاً- وإن انفتاح كيان االعربة على بعضه يماثل الحياة حيث تمثل(العربة) قدسية الجماعة المعينة أو المشتركة في المكان، فهي صورة من الحياة من وجهة أخرى من حيث الاجتماع واعتبار الائتلاف عندما يكون الاتصال فيها من الحديث والاشتراك في مكان النوم والمأكل، وهو- أي القطار- في كل الأحوال يحقق الانكسار للصورة المألوفة للحياة اليومية الطبيعية التي تصطنع الجدران والغرف، فتكون للفرد داخل الأسرة الواحدة حياته الخاصة التي يؤطرها بحواجز يمنع الآخرين من أن يدخلوا إليها.
وتكلل بعد ذلك صورة الانتزاع هذه بمشاعر من الحزن الشفيف للكائنين فيه وهم يخترقون عذرية القرى بشبح المدينة الافعواني هذا، وبالمقابل يستفز الفلاحين الذين يجتاز قراهم بتموجه فيقلق رتابة هذه القرى وصمتها وسكونها بدءا من صوته الذي يعلن التحدي وهو يكسر تلك العزلة إلى حضوره المادي، فضلا عمّا يثيره السفر البعيد من فراق، ومن حنين لغائب أو منتظر، لا تثيره أيّة واسطة أخرى.
ويلازم القطار بما يمثله من اختراق ذكوري منتظِر دائما، هو المحطة بأنثويتها، والكائن في المحطة هو الآخر يجنّس ثقافيا بالأنوثة بحكم الانتظار للمنتظَر(القطار) لكن هذا الاجتماع لا يكون بمعزل عن التنازل عن الذوات، لصالح العوامل الاجتماعية، والأخيرة تفعل فعلها أكثر من العوامل الفردية أو الذاتية في المحطة، إن لم تدفع الأخيرة بعيدا، فالخيارات المتاحة محكومة بالكيان الذي جاءت تقاليده من تراكم ثقافات يفترض أن تمتاز بالتنوع والمغايرة، لكنهما(أي التنوع والمغايرة) غير مقبولين إلا في حدود ما استقر منهما على انه تقاليد بالاعتياد، بمعنى هناك تنميط يقبله هذا التنوع بحياد من خلال قبول ما هو واقع، ولا يفرض ما هو كائن فيه، فالكل يشذبون ذواتهم لتقبّل المحطات أو ينكفئون إليها.
وإذا كانت نازك قد اقتحمت الريادة بذكورية اسمها وما يحيل إليه من فحولة، ففي قصيدتها (مر القطار) تهيمن الأنثوية بما تحمله من رومانسية حالمة، هناك شرط اجتماعي يدفع هذا النص لأن يكون في إطاره مرة زمن كتابته ثم عودته ليكون حاضرا بقوة(بعد وفاة الشاعرة) وفي وسط تتفاوت ثقافته وليس حضوره اقل من كونه يمثل معادلا لمواجهة الخيبة والانكسار والرتابة بالتعلق بأمل وان كان وهما.
فيقدم الشعر خاصة ما تقادم منه في الزمن الامتلاء الذي تقدمه الوجبات السريعة، انه سد أيضا الحاجات السريعة، والوضوح والرومانسية التي كتب بها نص( مر القطار) يجعله احد النصوص التي بضغطة أزرار الانترنيت تتعرف على حضوره في النسيج الاجتماعي، خاصة بعد وفاة نازك الملائكة بين أجيال من الشباب لم تتوقع اهتمامهم في غرف الدردشة بهذا النص.
هذا الاهتمام لم يقتصر على هذه الطائفة بل هو حاضر في ثقافة النخبة والمختصين، عندما يرى احدهم أن هذه القصيدة تمثل قصيدة الحداثة الرائدة فيقول" إن الجيل الذي انتمي إليه قد لا يشعر بالجانب المدهش في قصيدة مر القطار.... لأنه ألف محاولات التركيب في الرؤى الشعرية وغرق في التجريب... بمعنى ما من شيء شكلي في قصيدة مر القطار في بناء البيت أو المقطع أو الفراغ".
من بنية السواد إلى بنية اليقظة
لا يقترح محمد خضير قراءة معينة لنصه( قطارات ليلية) مع اهتمامه بالحديث عن تجربته في الكتابة ككتابه(الحكاية الجديدة) لكن هناك آخر هو مالك المطلبي يقترح بنية البياض لقراءة المملكة السوداء، وهو يتوصل لبنية البياض بوصفها ضدا لسيادة السواد في المجموعة(المملكة السوداء) والبياض هو الذي يتأوله بالفراغ.
وفي قطارات ليلية نحن نقترح بنية السواد لحضورها ضدا للبياض الذي يحضر في النص المعني بالقراءة بشكل لافت، فالسواد الذي يتبدى من ضده يشكل صورة للمصائر الحزينة، وصورة للموت، وصورة للغياب بعبثيته، وهو المنتظَر في نص( قطارات ليلية) والبياض يكون مهيمناً لكي تعرض صورة الموت، بما يرتبط فيه البياض بالكفن مرة، وأخرى بما يحيل لليقظة.
وصورة البياض الأولى تبدأ بشاشة السينما البيضاء التي يعرض عليها فيلم يصور قطارا يستقله جندي وامرأة ترافقه، ولا يميزان محطتهما التي يفترض هي غاية من ركوب القطار، وعدم تعرف الوجهة يحيل إلى عبثية الحركة، ودورانها في حلقة مفرغة لا تعرف فيها إزاحة، فـ(المحطات متشابهة) على حد تعبير الجندي وهو يجيب على سؤال المرأة ويقترن جوابه بـ(لا ادري) ليوغل في عبثية المجهول، وسائق القطار هو الآخر يجيب مساعده بأنه لا يعرف أيضا إن كانت المحطة قريبة أو بعيدة .
فهل كان الرجل والمرأة الوحيدين في الصالة الباردة ينظران إلى تعاور المصائر، وهما يقضيان ليلتهما الأخيرة، وتحيل البرودة التي تتسرب إليهما من الأرض عبر القدمين إلى هيمنة الموت على المكان ، فضلا عن الملل من تكرار المصير الذي جعل رفيقته تطلب مغادرة السينما.
صورة البياض الثانية التي تحيل إلى الموت هي اللبن الذي ينظر فيه صورته، وهما يخرجان من السينما، فلا يرى غير صورة داكنة تحيل هي الأخرى إلى الموت.
صورة البياض الثالثة اللبن الذي تبيعه امرأة ذات وجه بلون الرمل، الوجه يحيل لونه إلى الموت، وهي منتظرة لزوج لكنها تكسب انتظارها مشروعية الحضور المادي والألفة مع المكان، بأن تتكسب من بيع" اللبن في آخر الليل" والتضاد يحيل لتعلق يائس بمنتظَر.
وجه بلون الرمل x اللبن x آخر الليل
صورة البياض الرابعة هي( ورقة الرسالة الفارغة من الكتابة) التي ترسلها ذات الوجه بلون الرمل لمنتظَر مجهول المكان قائم في الزمان بقولها" الرجال يلتقون في كل مكان في الثكنات والمقاهي والفنادق" .
والبياض يحيل هنا كما في الثقافة الشعبية إلى العجز، حيث مع شدة الحزن يعجز الكلام أن يعبر عن المشاعر، والكلام يعادل بشفويته الكتابة من جهة التعبير عن شيء، لكن للكتابة فعل ممارسة يقوى على النسيان.
صورة البياض الخامسة تفارق الإحالات السابقة، فهي وجه امرأة يقظ يحاول الخروج من دائرة هذه المصائر، عبرت عنه رفيقته مرات وبإصرار، مرة بالملل من الفيلم، ثم بالخروج، ثم بمقارنة وجهها بوجه امرأة أخرى.
هل توافق هذه البنية نص(مر القطار) هناك بنية سواد تحيل لضدها الانفتاح، هي الليل الممتد السكون إلى المدى، ولا يقطع هذا الليل وسكونه بلون من جنسه وإنما يقطع بصوت بليد، لكن هناك بنية بياض هي أضواء فضاء المحطة في الليل، وأضواء القطار الخافتة وهو يقطع تخوم الليل ويلج فيه، وهناك فتى يقظان لكنه مستفز أو متوتر، وهي مصباح الخفير، وهي أنا منتظرة، كلها خافتة، لا تقطع ظلام الليل أو تبدده ولكنها تشعل شمعة فيه، وهي الثيمة التي غلبت على النص، وهي بنية يصح أن نسميها بنية يقظة لأنها تحيل بالمحصلة إلى استمرار الانتظار، ولكنه انتظار مستسلم، فقد عبرت عنه القصيدة بمر القطار، وهو انتظار متصالح مع ما حوله وتوفيقي، ولذلك وجد استمرار الانتظار مشروعيته( مازلت ارقب بانتظار، وأود لو جاء القطار) وهو يوائم العزلة الأنثوية، ومن هنا يبدو النص منفتحا.
بنية اليقظة هذه يكتنفها نص(قطارات ليلية) أيضا فكلا النصين فضاءهما الليل، ظلام صالة السينما لا يقطعه سوى ضوء الفيلم ورجل وامرأة يرقبان الفيلم، وقطار يقطع الظلام وامرأة تقطع ظلام الليل لتسلم رسالة بيضاء دون كتابة، وامرأة بوجه يقظ ورجل عائد من الحرب يحتفلان بليلتهما في خاتمة القصة بغرفتهما حيث(المرآة تنضح بالضوء الفائض وتلتقط صور المروحة والأسد الهائج والورقة البيضاء المهملة على اللحاف، وكان الجسدان يناضلان بضراوة من اجل اليقظة) .
المنتظَر
في نص(مر القطار) نستطيع أن نتميز ثلاثة من المُنتظِرين وكل منهم يكون انتظاره من وجهة؛ فالمنتظر الأول معلق بالقطار؛ هو الأنا التي مثلها ضمير المتكلم، وهي المُنتظِر بأمل للحلم الآتي بُعيد الانتظار أو الوداع الأول، إذ تقول بعد أن مرّ القطار وكأنما في غفلة من الزمن:
وأنا هنا ما زلت أرقب بانتظار
وأود لو جاء القطار
إن الانتظار يبدو هنا أقرب لانتظار(بينلوب) لـ(عوليس) الراحل بغير ما رغبة ساهما، شاردا، ضجرا، حزينا، ولعلّه ذلك الفتى الذي شغل جزءا من سطور القصيدة:
وفتى هنالك في انطواء
يأبى الرقاد ولم يزل يتنهد
سهران يرتقب النجوم
أما المُنتظِر الثاني؛ فإنه(الفتى) الذي يبدو هو الآخر معلقاً بحركة القطار، وانتظاره يكون من داخل القطار في حين الأنا الشاعرة كان انتظارها من الخارج هذا إذا كان صوت الفتى هو الذي يقول السطور الآتية وليس براكب آخر:
هذي العقارب لا تسير
كم مر من هذا المساء؟ متى الوصول؟
أما المُنتظِر الثالث؛ فهو الخفير وهو رجل الخيبات، إنه ينتظر بميكانيكية ومن دون ودّ للمُنتظر ومحتوياته، فقد ألف هذه الحركة وبأن هذا القطار لا يحمل جديدا ويزداد ذلك تأكيدا لو جعلنا الفاعل في قولها(فيرى الوجوه المتعبة) هو(الفتى) وليس(الخفير)، لجردنا هذا الخفير من كل تعاطف إنساني وأي تعلق بالمُنتظَر حتى يعادل العقل وهو يحمل مصباحه أو ليمثل تراكما لتجربة الحياة من تقاليد وتطبع، فهو يدخل مجردا من العاطفة مع كل صفير وكل إيذان بالوصول لمحطة، فيقلب في الموجودات التي لا تتجاوز عنده ماديتها، هل المبتغى حاضر فيها؟ لكنه يمر وعابسا من دون مبالاة، فيكون وجهة أخرى من اصطراع العقل والعاطفة ويكون بعد ذلك الوجه الثاني للأنا التي هي المُنتظِر الأول.
إن هذا الثلاثي الذي مثلت فيه(الأنا المتكلمة) و(الفتى) العاطفة الإنسانية في أحلامها ورومانسيتها، ومثّل فيها (الخفير) العقل المجرد من العاطفة، يساوي هؤلاء مجموعةً من الخيبات تتفاوت فيما بينها لكنها جميعا مرتبطة بالقطار(المُنتظَر).
في القراءة الأولى للنص يغلب التقرير الذي ينقل أجواء المحطة بتفاصيلها، الليل ودلالته تحيل الى الأقتران بالحلم، والأصوات من الكلب الذي ينبح القمر البعيد إلى حركة القطار من الخارج، حتى إذا مر القطار ونأى تنتقل الأنا متأملة، ويكون المتخيل هو المعتلى الذي تمتطيه إلى عوالم الحلم:
أتخيل العربات والصف الطويل
من ساهرين ومتعبين
ثم تدلف إلى أجواء القطار الداخلية وهو يتحرك فتضعنا وسط أجواء من الواقعية الحالمة، وهي تصور التفاصيل الصغيرة بسرد قصصي/ ضوء القطار الباهت/ الركاب المتقابلين/ مراقبة الليل والقفار التي يقطعها القطار عبر الزجاج.
على أن هذه الواقعية الحالمة تبدو خادعة في ثنايا القراءة الثانية والثالثة؛ إذ نستشف روحا رومانسية تتجلى مع توالد المعاني من خيبة بعد انتظار حيث مر القطار، ثم عود جديد لانتظار بأمل مع وعي باحتمال عدم النول لكنه مقرون بإصرار على الانتظار:
وأنا هنا ما زلت أرقب في انتظار
وأود لو جاء القطار
هذا الانتظار كان مفتوحا وهو يبدأ القصيدة ويختمها ليدل تكراره على أنه حلقة مفرغة، ويبدو أشبه بانتظار غودو لكنه مقلوب، إذ يبدأ الانتظار في أول القصيدة تعقبه خيبة عندما مرّ القطار، بينما الانتظار في ختامها يأتي محمولا على أمل أن يجيء ذلك المُنتظَر، إن لم يكن على الحقيقة فعلى الأقل في العدالة الشعرية التي تحققها الكتابة بحسب أرسطو.
إن النص يحيل إلى الارتخاء، وهو بأجواء الليل يحيل إلى الحلم، وهما من سمات الرومانسية، لكن فورة الرومانسية عقلنتها أنثوية المنتظِر الذي يمثله ضمير المتكلم، ثم العقل الذي يحضر في صورة الخفير.
هذه العوالم بانفتاحها يقاربها الانتظار والمنتظرون في نص( قطارات ليلية) إلى حد ما، وان بني النص الأخير على الانفتاح بحسب دلالة اليقظة التي اشرنا إليها، فلهذا النص مرجعيات أخرى حيث هيمنت الحرب وما تخلفه من أسى، فالمنتظَرون جنود، والمنتظِرات نساء فعلهن ايجابي وان تبدين مسترخيات أو عاطلات عن الفعل ؛ المرأة النائمة على كتف الجندي اليقظ في الفيلم، لكن هي التي تسأل عن المكان، والمرأة ذات الوجه اليقظ( الوجه النظيف الجميل على الوسادة المطرزة، وجه متألق في الضوء القوي، المرأة التي رفضت الاستسلام لمشهد تعاور المصائر الذي يعرضه الفلم فعبرت عن مللها وغادرت الصالة، فقد بقيت تهيمن على أنها صورة لديمومة الحياة وتعاقبها، حتى لتبدو أكثر حياة من سلبية الرجل رفيقها) وامرأة المحطة ذات الوجه بلون الرمل الملثم صارت جزءا من كيان المحطة(منتظِر)، وتجمدت فيها الحياة فتحتاج مثل كل أجزاء المحطة إلى إضاءة، قد تجدها لدى الآخرين، لذا جاء انتظارها برجاء مفرغ من الأمل، باستبدال انتظارها إلى انتظار مادي ببيع اللبن آخر الليل، وإذ تفارق الصورة التي بدت فيها الأخريات مسترخيات فلأنها تركت لمصيرها.
والقطار بذكوريته التي أشرناها(منتظَر) لا تركبه النساء المنتظرات عدا المرأة النائمة التي في الفيلم، فذات الوجه بلون الرمل تسلم رسائلها عبر نوافذه، والأخرى ذات الوجه اليقظ لم تسافر في القطار أبدا(أتصوره الآن كما شاهدته في السينما قطارا فارغا يسافر ليلا بشخصين)
القطارات الليلية هي قطاران تحيل عنواناتهما إلى أن احدهما خارج السكك، وآخر قطار يقظة، وبينهما قطار حقيقي صاعد إلى بغداد ويمر بمحطة معلومة هي أور، ويحتشد بالمسافرين والحركة لكن في فضاء القصة لا ترى سوى حضور قوي لجندي ذاهب إلى الجبهة وامرأة تسلّم الرسائل للعابرين من الجنود لتعرف مصيرا لزوجها.
والقطارات الثلاثة تمر بتخوم الصحراء أو تقلب ذاكرة احتشدت من القطارات، والانتظار في النص مفتوح أيضا فهو يبدأ بيوم قبل الالتحاق إلى الحرب وينتهي بيوم إجازة، ستعقبه ذات الحركة، وهو ذاته الانتظار في قصيدة( مر القطار) الذي يبدأ بالقطار وهو يمر ويتعلق بانتظار عوده، والحركة فضاؤها الليل.
هل هناك تناص يمكن أن نلمحه بين النصين، ولان التناص لا يحتاج وعيا مباشرا بالنص الذي يتناص معه أو تصريحا معلنا أو تضمينيا بل" التناص كممارسة نصية قد لا يعول بشكل أساسي على الوعي" فالتناص حاضر في كل نص من خلال حضور النصوص والخطابات السابقة عليه لكن هذا الحضور يأخذ سمة الغياب وكلما كانت الممارسة من وراء الوعي فان "النص يصير غنيا بالمعاني عندما يفلح القارئ في تركيب علاقات خفية بين عناصره وعناصر النصوص الأخرى".
كان توظيف الانتظار سمة ميزت النصين وان تباعدا في التقانة، وفيها يظهر نص( قطارات ليلية) أمينا لجيله بما عرف فيه من تجريب








