![]() |
ناظم محمد العبيدي
في الفصل الاول من رواية القاص محمد خضير (كراسة كانون) والصادرة عن دار الشؤون الثقافية (2001) يقول الراوي: (..ان بحثي كي يصل الى كراسة كانون يجتاز كراسات غويا وبيكاسو وهنري مور..) ص12، وهي اشارة الى تداخل العوالم الفنية الامر الذي يسمح باقامة تناظر بين اشكال التعبير المتاحة لدى كل من الكاتب والرسام, ومحاولة كل منهما الامساك بتلك الحقيقة الهاربة منهما، ويوقفنا الراوي امام اشكالية الكتابة وهو يتحدث عن نهج كل من (غويا، بيكاسو،هنري مور) واجتراحهم طرائق للتعبير الفني وما يقدمه من وصف لـ (جروترود شتاين) حول التمييز بين (انا) الكاتب والرسام، وهذا مدخل ملائم نسحب اليه للتساؤل عن فاعلية الكتابة والمديات التي يمكن ان تحققها لتقترب من حلم التعبير عما هو عصي ومستحيل، ونعاود مع الكاتب التفكير والبحث مرة اخرى-كما هو الحال ابدا- مع كل مشروع كتابة مغايرة ونعرف سلفا اذا كنا ممن وعى جيدا تلك الرؤى المتمردة على نمط الكتابة التقليدي وتخلت عن السرد ذي المستوى الواحد الذي تبنته الرواية الاجتماعية، التاريخية… الخ.
وتصبح القراءة عندئذ قادرة على التقاط الشخوص والحدث في الحكاية المألوفة، بل مفردات الرؤية المؤسسة على معرفة ثاقبة، متمردة على الواقع كمعطى ينبغي محاكاته والوقوف عنده، فكانت هواجس الراوي وتضاريس ذاكرته الضاربة في القدم خلفية للوحات المتتابعة والمؤلفة لفصول (الكراسة)، حيث ينبعث شبح الكاتب السومري (دودو) والمدينة السومرية واشكال بواباتها واسوارها المخندقة وتلالها المشرفة الى غير ذلك من الاشارات التاريخية. ان وعيا يفترض امكانية الكتابة بيسر ومجانية دون ادراك لتحدياتها وصعوباتها لن يكون قادرا على ملاحقة الاضاءات المبثوثة داخل النص او فهم قواعده الفنية التي يسعى محاورا فيها اساليب الفنانين التشكيليين، خالقا بذلك بديلا مستسرا في النص يتخذ من رموزه وقراءته للمغيب (المعنى المضمر) واقعا آخر يتجاوز الواقع العام المرئي بكل تناقضاته وفوضاه والذي لايمكن رصده-كما يتوهم البعض- على انه معنى خاص وملائم لخلق ادبي متفرد (..ليت هذا يحدث في الكتابة، فيتقذف الكاتب الى خارج نصه، متى يحدث ان يكون النص مكعبا، مركبا، مرسوما باكثر من وجه؟ متى ينعكس الكاتب في كتابته كما ينعكس الرسام في رسومه؟..) ص24.
ويستدعي الراوي تحت وطأة الليل المدجج بالموت وآلات الحرب المغيرة شخوص الفن واحلامهم على ضوء فانوسه القديم الى صحبة تطوى بها الأزمنة، تتوحد في سرد مكثف يدخلنا دائرة الوجود الانساني الواحد وما يهدده من مخاطر واهوال، اذ تتلاشى الفوارق وتتسع رؤية الراوي لتأخذ مداها الشمولي، ويتجاوز حدود مدينته (البصرة)، ويقول مخاطبا (غويا) بعد ان يبعثه من ركام تاريخه الشخصي: (..اني اتكلم يا غويا، اتجول، افتش، اخطط، اتخيل اني اسير في شوارع المدينة القديمة مدينتي، البصرة، باصورا، بصر ياشا،..) ص81.
ان ها هنا جسرا، فضاء انسانيا يجمع بين شخوص التاريخ، الكاتب السومري (دودو) الفنان (غويا) والحاضر المتمثل بمهندسة الكهرباء الامريكية (دونابرانسكي) التي تبعث برسالتها الصامتة الى عوائل العراق، وتوقد في شباك منزلها شمعة تقول انها رسالة منطق وامل، ان هذه الرسالة والدفء الذي تحمله لشتاء عام (1991) مع بدء العمليات العسكرية والقصف المدوي، وما انطوت عليه من معان انسانية (.. ولاتزال شمعتي تشع نورا في امسيات الجمع وهي ترسل رسالتها الصامتة الى عوائل العراق ويعمد جيراني عبر الشارع بدورهم الى ابقاء شمعتهم منيرة.. بصيصان من نور وسد ظلمة الليل الداكنة..) ص43، وتحلق الناس حول النار الموقدة تحت (قدور الهريس) وكل تلك الاشارات الى الحياة المثقلة بالالم والموت، لابد ان تدين الحرب عبر تقديمها لصورة مترامية الاطراف لوجه الانسانية، ويمكننا قراءة مثال ذلك في اللوحة المتنوعة والمحتشدة والتي لايجمعها سوى حلم العقل مع (دودو) وهو يطلب من النسوة العراقيات الحضور، فيهبطن بمظلات عباءاتهن من صفوف محو الامية لينحدرن الى ساحل شط العرب، ويشعلن شموعا يثبتنها على قطع من كرب النخل اليابس ثم يطلقنها على صفحة النهر، لتصل عبر مويجاتها المنورة الطافية الى خاطر (دونابرانسكي) الجالسة امام شمعتها الذاوية، هناك في الجانب الآخر من العالم، ويتاكد هذا التوجه الانساني مع الفصل الاخير (قطار القرن) قطار (دودو) الحامل لطرود البريد، رسائل المفقودين، رفات الجنود المدفونين على الساحل الشرقي للنهر، ويذكر الراوي ان حشود الاطفال تنتظر المرور الى محطة القرن المقبل، ولكنها عندما تصل سيكون الاطفال عجائز وشيوخا، تقوست ظهورهم، وتساقطت اسنانهم وابيضت لمم رؤوسهم، ويصف ساعات القرن الحادي والعشرين بانها خالية من عقارب الوقت والارقام، اهي اشارة الى التباس الزمن المقبل؟
ام نبوءة تنبثق من حدس فني يستبق الاحداث ويستقرئ ملامح مستقبل غامض؟









