![]() |
ناظم محمد العبيدي
ترسم (بصرياثا) للقاص محمد خضير والتي صدرت في بغداد عام1993 مدينة، وتصنع من خريطتها حكايات، ذاكرة تعرض تاريخين، زمنين يتجاوران ولا يلتقيان الا في مخيلة السارد، حكاية تلبس اثوابا شتى، تكمن اهميتها الفنية في انها جمعت بين سرد التاريخ وبلوغ ذروة جمالية تحققت فيهما صورة لزمن غائب وحياة حافلة. كان التاريخ حاضرا فيها لا ليوثق كما هو الحال في السرديات التاريخية، انما ليشير بلوحات ادبية اخاذة الى تلك الاناشيد المضمرة تحت ركام التفاصيل اليومية، فكان البحث عن جوهر ما تنطوي عليه الحياة الانسانية بزمنها الخاص (الفردي) اذ تتقدم مدفوعة على عربة الزمن الخارجي، هاجس معلن داخل فصولها، فكان السرد بمستوياته المتعددة قد تجاوز المستوى الساكن الذي ألفناه في الكتب المدونة عن المدن، وحضور الانا المدركة لدورها الجمالي الخالق جعلها تنزع نحو اجتراح لغة قادرة على مواكبة ورصد السيل الحياتي المتشابك، للأمساك بالخلجات الاكثر عتمة وخفاء، وهي تنسلُّ الى زوايا التلاشي، وبهذه السمة تقترب (بصرياثا) من جنس الرواية الذي يشكل فيه الحضور الانساني بصراعاته الوجودية، وتكثيف زمن الفردي ملمحا هاما، وتبتعد عن السرد التاريخي المقيد الى رصد الحركة الخارجية للاحداث واغفال الزمن الداخلي منظورا اليه من داخل الوعي الانساني. وجاء الحدس النافذ لينأى بالنص ان يكون سيرة محدودة الاثر ويعطيه صفته الفنية المؤثرة: (.. كنا نحدس ان ثمة احوالا وافعالا من نوع مخيف تبقى طي الكتمان، خلف الجدران وفي الاعماق السفلى.. ثمة اسرارا لا يحق لنا الاقتراب منها..) ص26. فلم تلغ الذات لحساب الموضوع او العكس، بل كانا ينطلقان سوية ليرسما ملامح المدينة المعاصرة والاخرى الغائبة والماثلة في الوعي التاريخي والى قراءة الذات وتأمل ذاكرتها الانسانية عبر مراحل زمنية مختلفة، مما هيأ فضاء غنيا للامتاع والخلق. وتسيدت الحكاية داخل النص لتبعث حياة علاها غبار الازمنة، وصار ابطال الحكايات رموزا ونماذج من القاع المغمور تقف جنبا الى جنب مع الاسماء الاخرى، لتكتمل بهم جميعا رؤية السارد وهو يحاول وضع لوحة شاملة لزمن غائب، وما السعي للوقوف عند اوجه المدينة، اكتشاف زواياها سوى توق لمعرفة المكان الحقيقي للوجود الانساني المتخلخل، فالجميع يحيا على حلم التشبث والبقاء داخل دائرة الوجود، المدينة التي هي وجه العالم المتاح ، فلا غرابة ان يكون القطار مدينة متنقلة، فهو مثال صارخ لطبيعة التجمع الانساني وعدم استقراره داخل حدود المكان والزمان، ونافذة تلقي الى الوعي تجليات الحياة وصورها الهاربة ابدا: (.. من كان مثلي يشعر باندثار الروابط البشرية بين اخوة الليالي الطويلة في قطارات الازمنة الهادرة، ينتزعها من فم الليل عنوة.) ص 108. ان الكثير من الاشارات الفلسفية الى محدودية وعجز الانسان لابد ان تفتح باب التساؤلات عما سعى النص الى بلورته من رؤية نهائية تتجاوز ظاهــرة – صورة مدينة- مما قد يتبادر عند القراءة العجلى، فهل نستطيع قراءتها حقا من دون الانتباه الى ذلك الدفق المزدحم من الحيوات، والحس الفني الذي شكل منها نصا فريدا يستعصي على التحديد؟ اعتقد ان (بصرياثا) اعتمدت السيرة واستعارت روح الرواية لتحقق كل هذا التأثير الفكري والجمالي، الامر الذي يجعلنا نعاود النظر في الاطر النقدية وهي تتصدى للنصوص الاكثر جرأة ومغامرة، فلا نصادر حرية النصوص التي تتجاوز مسمياتنا القديم،.









