محمد خضير
مُعلم القصة العربية
تعبير حلم محفوظي

 
  بقلم :محمد خضير
 

لعل آخر عمل طالعه القارئ العراقي لنجيب محفوظ قبل اندلاع حروب الخليج كان رواية (الحرافيش). منذئذ ونحن نسترق نسخاً مزورة من أعمال محفوظ بين أغلفة مهربة وراء جدار العزل الأممي حول العراق، ولم تتسرب أنوار الرواية العربية إلا من ثقوب ضيقة ليس بينها إشعاع رواية لمحفوظ صادرة بعد نوبل.


تراجعت صورة محفوظ ونسينا محياه الأليف وراء جدارنا، حتى بعد وصول صور احتفاله بعيد ميلاده التسعين، وكان يبدو فيها شيخاً أصمّ، تطل نظرته من شقين مخصومين في وجه موميائي على بلاد لم يرها في حياته، ولم يقرأ شيئاً لكتابها المتأثرين بعالم الحارة المصرية. صارت القطيعة بين الأديب العراقي ومحفوظ مثل قطيعة نص هيروغليفي مع قرائه.


كما شطرت دور النشر العربية أعماله إلى أصلية ومنسوخة وسوغت لنا قراءة كل ما هو مشطور ومزور، وتبجيل كل ما هو محظور ومغلف، بما في ذلك كتاب (الأحلام) الذي ختم به محفوظ عمره المئوي، بعد أن همدت ضحكته مع ارتفاع سخرية الكوميديا العراقية، فكان هذا الكتاب المستنسخ وحده يخولنا أن نحلم بحلم محفوظ الذي شطرته الجماعات الأصولية في بلاده إلى شطرين، أحدهما يحلم بالآخر في فترة نقاهة الكاتب المصري.


لن نجاري حفاوة الصحافة العربية بالمعمار الهرمي لروايات العملاق الهامد، لكننا سنسد نقص معرفتنا بأعماله المحجوبة عنا باختلاق ما يؤلف فصلاً من فصول المحاكاة التمثيلية لنص محفوظي مهاجر من كتاب (الأحلام). علّمنا نجيب محفوظ كيف نحتمل الهزائم والكوابيس، وسنرد فضله علينا بارتجال حلم عابث بمقاس التعبير العراقي لأحلامه.


شبع محفوظ من وقائع الحارة، فنقله الحلم في آخر العمر وآخر المطاف إلى ما وراء النيل، وأرساه على مسناة شريعة بغدادية تزدحم بالحالمين من أمثاله المتلهفين لاستقباله. وستكون كلمات محفوظ الأولى المعبرة عن دهشته وحضور بديهته : يا لطول بال هؤلاء القوم ! إن المرء ليحسبهم أيقاظاً وهم نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. لا ريب في أن حلمهم أطول من حلمي، ولا شك في أن طول نومهم أيقظ أحلامي المقبلة نحوهم.


ضاع تعجب محفوظ البليغ في هرجة اختلاط حرافيش مصر الذين اصطحبهم الروائي معه في قارب الحلم بجرابيز الشريعة، على النسق الذي تتداخل فيه الثرثرة القاهرية باللغوة البغدادية، وشطارة الفتوات بحذاقة الشقاوات، وتضيع الوجوه والأزياء في دخان الشيشة الملتف بدخان النارجيلة، حتى يأتي الحلم على نهايته المبتغاة، وأي نهاية!


أبدأ تعبيري للرؤية المحفوظية بسردٍ مقابل لها، في فترة حرجة من فترات نقاهتنا المتصلة مثل شريط من أشرطة (الكوميديا الإلهية) بإخراج فيديريكو فيلليني، وأنحدر به جنوبي عاصمة الموت الجماعي على مياه دجلة، ثم أنهيه نهاية تهكمية بإخراج عراقي لفصل تمثيلي من فصول خيال الظل الأراجوزي .


خرج قارب نجيب محفوظ بحرافيشه من شريعة في باب المعظم، منحدراً من غمام العمارات المهتزة بالانفجارات إلى ريف الجنوب المتسع بالأخيلة وأصوات الطبيعة، وفي نهاية النهار رسا القارب على مسناة نزل من منازل السفر والبريد في منتصف المسافة بين بغداد وواسط، وارتأى الحرافيش قضاء ليلتهم في حماية حجرات النزل المنشأة على طراز خانات الطريق العباسية. كان النزل محتشداً بالمسافرين، واستقبلت الحرافيش وسيدهم فرقة من الممثلين الجوالين يقودهم رجل مخبول دعا نفسه أبا زيد السروجي بطل مقامات الحريري، إضافة إلى عدد من الأطباء وسعاة البريد والتجار والجنود.


لم يشك الضيوف بحقيقة نزلاء الخان، وما يخفونه في متاعهم وبضاعتهم، وما يكتمونه وراء شخصياتهم وأسمائهم. أما حقيقة فرقة التمثيل فتختفي وراء هروب جماعة من مجانين مستشفى الشماعية بعد احتلال بغداد، وأما الأطباء فليسوا سوى زبانية أحد سجون بغداد المختصين في تعذيب السجناء.


وأما التجار فأشهرهم نخّاس ينقل معه قفصاً فيه ثلاث جوارٍ مُسخن فأرات. وبينما يهرب نزلاء خان الطريق من ماضيهم المخزي، يتفقون جميعاً على إحياء أمسيات صاخبة يلعبون خلالها أدواراً تمثيلية تفضح نوازعهم الباطنية المرعبة. وقع حرافيش مصر في فخ الحلم العراقي، وضاع صواب سيدهم معترفاً بشطارة جرابيز الخان .


بعد صلاة العشاء، نصبت الفرقة الجوالة قماشة التمثيل البيضاء في حوش المنزل الواسع، وأعادت تمثيل وقائع المقامة التاسعة والعشرين المعروفة بالمقامة ( الواسطية) بأسلوب أبي زيد السروجي، الذي استولى على ألباب غرباء الطريق بمكره وخفة حركاته، وانتزع الضحك والتلويحات من رؤوسهم المغمورة بالنشوة والحبور. ثم لعبت الفرقة دوراً من أدوار المسخ شارك فيه التاجر صاحب الفأرات الثلاث.


وقف التاجر أمام قماشة التمثيل المضاءة بمصباحين زيتيين، ورفع يده عارضاً قفص الفأرات وتكلم عن قصة مسخهن وسكنهن في معمل لصنع الزلابياء، ثم شرائهن من صاحبهن الحلواني بعد أن تسببن في خسارة معمله. وختم التاجر قصته بالاختفاء وراء القماشة، فشاهد النظارة خيالات الفأرات تخلعن ثياب المسخ وترتدين ثياب الجواري، ثم تخرجن راقصات رافلات بثيابهن وخلاعتهن.


عندما حان دور الأطباء المزيفين في عرض فنونهم أمام القماشة وخلفها، كان انشراح الحرافيش قد بلغ ذروته، وهم يشربون كؤوساً من الشراب المخدر أدارها عليهم سحرة الخان المجربون في عمل السموم داخل السجون. سكر الحرافيش وغرقوا في نوم ثقيل، وشملهم الحلم الهارب من رأس الحجاج بن يوسف الثقفي بعباءته وعمامته .


عندما استيقظ الحرافيش في ضحى النهار العالي، ألفوا أنفسهم مقيدين بالحبال في ساحة النزل الواسطي الخالية، وقد هرب الممثلون بقاربهم الذي أرسوه في شريعة النزل. صاحوا على سيدهم الروائي المثقل الرأس بشراب البارحة، وسألوه عن الأمر فعجز عن الجواب. لا شك في أن الحلم الحرفوشي الذي أنتج روايات نجيب محفوظ الكبيرة قد توقف عند هذه المرحلة من السفر، فيما انحدر الحلم العراقي بجرابيزه نحو مصيره المجهول. هذا ما استنتجه سيد الحرافيش المذهول من سحر واسط، وأحلام ليلها الطويل، ولم يصرح به لأصحابه.




أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية