محمد خضير
مُعلم القصة العربية
بريد باصورا

  بقلم :محمد خضير
 

تعيش البصرة اليوم نسختها الحادية عشرة أو العشرين من مدينة (باصورا) القديمة، وتصعد من طبقاتها التاريخية السفلى وجوه تجوب نسختها الأخيرة وتندس في زحامها. هؤلاء الصاعدون خليط من أجناس انقرضت وبادت ثم عادت، وبينهم مراسلون يحمل كل منهم رسالة أو توصية إلى واحد من أبناء هذا الزمان وأحفاده.


لكنني أبحث قبل الآخرين عن المراسل القادم من النسخ الغابرة لأجلي، ويحمل في كمّه مخطط النسخة الحقيقية للمدينة بين نسخها الإحدى عشرة أو العشرين، وأظنه يبحث عني بدوره ليبلغني رسالته، ولا أعرف شيئاً عن شخصيته سوى أنه يحمل الحرف الأول من اسمي، كذلك فإن المراسلين الآخرين يبحثون عن مقصوديهم حاملي الحروف الأولى من أسمائهم.


عرفت البصرة بهذا التراسل الرمزي، والتناسخ الخططي، والاختلاط العرقي، فهي تعيش الأزمنة كلها في زمن واحد، وطرقها الصاعدة هي نفسها طرقها النازلة، ومراسلوها لا ينقطعون يوماً عن الصعود والنزول، وأنا نفسي، شأن المواطنين الآخرين، لا أعلم بمخطط المدينة الذي أسكنه، أهو أصلي أم نسخة طبق الأصل، ولو علمت بحقيقته لغدوت مراسلاً أنقل مخطط المدينة لمواطني النسخ المقبلة.


لا أرغب في أن أدخل إلى نسختي الباصورية مدخلاً فانتازياً، فأتحدث عن أحد عشر مكتباً للبريد، ومثل هذا العدد من نسخ المكتبة العامة، ومتحف التاريخ الطبيعي، ودائرة النفوس، والمدرسة الثانوية المركزية، وأمثالها من المسارح والمساجد والسجون والحمامات، وإنما أقصد على وجه التحديد المبنى القديم لدائرة البريد الذي اقتنيت منه مجموعاتي التذكارية من الطوابع البريدية، لظني أن المراسل الذي صعد من النسخ السابقة للبصرة سيبحث عني هناك دون ريب كي يبلغني رسالة مفترضة من باصورا القديمة، فضلاً عن أنه سيطلعني على ألبوم طوابعه الذي يضم إصدارات اليوم الأول المختومة بأختام تذكارية.


وبالرغم من أن الأعمال اليومية لإرسال الرسائل والطرود موزعة على النسخ الأخرى من دائرة البريد، إلا أن المبنى القديم ما زال يحتفظ بصناديق بريد مرتبة في دهاليز متفرعة، وبسجلات جمعية هواة جمع الطوابع التي ينتمي كلانا إليها، وقد رُمز لأسمائنا المحفوظة فيها برمز واحد متسلسل.


أتذكر جيداً أن دائرة البريد التي كنا نتردد عليها تحمل رقم الدائرة العاشرة، وكان رمزنا المشترك (م) منقوشاً على ألبومات الطوابع المغلقة بقماش أحمر، وعلى مفاتيح صناديق الرسائل المحفورة مقابضها بصورة سلحفاة. إني أحمل على الدوام مفتاحي المرقوم برمز اشتراكي في الجمعية والدائرة، وسأتعرف على صاحبي المراسل الذي يقصدني من المفتاح الذي يحمله بيده أو يعلقه في عنقه. سيجلس إلى جانبي في أحد دهاليز الدائرة، وسيطلعني على مجموعة طوابعه النادرة الخاصة بتتويج الملك فيصل الثاني، قبل أن تحين اللحظة التي سأسأله فيها عن مهمته الخاصة.


كانت الأيام تدب مثل سلحفاة، شعار الجمعية التي تضمنا، وكنت أنتظر لقاء قريني المراسل بحذر وخوف من أن يستولي مراسل غريب على رموزي وطوابعي.وكنت ألتقي كل يوم بمراسلين يحملون خطط باصورا الحقيقية والمفترضة، وبينها المخططات المستقبلية التي أرسلتها المهندسة زهاء حديد لبناء (أكاديمية الدموع) و(ألعاب الوقت) و(جسر التنهدات) ـ وقد عرضت رسوماً مشابهة لها في متحف غوغنهايم في نيويورك منتصف عام 2006.


ألتقي كل يوم بوجوه بحرية وبرية، واختلط بمراسلين ولاعبين ومبرمجين تسللوا إلى نسختنا الحادية عشرة أو العشرين، وأغلبهم معروف لدينا بالحرف المشترك لهويته الرمزية: بائعو الأعشاب البدويون من حملة الحرف (ك)، راقصو الزار والبهلونات والدفافون الزنوج من حملة الحرف (ز).


الصرافون اليهود ممن يحملون الحرف (د)، العطارون الهنود أصحاب الحرف (ع)، البحارة البورتكيشيون الموسومون بالحرف (س)، المرتزقة الأميركيون المطرزة بزاتهم بالحرف (ت)، الزمارون البلوش من حملة الحرف (و)، الصاغة المندائيون من أهل الحرف (ب)، الدراويش العجميون من أتباع الحرف (ف)، الإسكافيون الفيليون من حملة الحرف (ي)، بائعو الورد السريانيون من حملة الحرف (ق)، سيدات وجوار وخادمات ونخاسون وسحرة ومداحون ونقاشون وبائعو سلاح ولصوص من مختلف الجنسيات، شخصيات سكنت هذه البلاد من قبل ثم رحلت أو ماتت، وضعت الحواسيب أشباهاً لها وأرسلتها إلى سطح النسخة الأخيرة المائج بالأعاجيب والألعاب والمخططات.


قد يلتقي ابن أباه وحفيد جده، وتعثر أم على صبيها الضال أو زوجها المفقود منذ سنين، ويسترد دائن دينه بعد أجل طويل، ويواصل معشوق عاشقه بعد فراق، أو ينتقم عدو من عدوه في الحال، فهذا ما يفترضه تناسخ الخطط وتناسل العصور وهجنة الأصول، ولا عجب في أن تظهر على أرض التناسخات ـ باصورا ـ كائنات أكثر فطنة وإغراء من سابقاتها.


هياج حمير ونباح كلاب وصراخ نسوة وإنذار سيارات إسعاف وشرة، ألعاب جنس وعملات زائفة وأقراص مدمجة غير مرخصة، مشانق وسموم ومخلفات أسلحة ومزابل، سحر شعبي وتعاويذ وتفسير أحلام، سيارات تتدفق في كل اتجاه وشوارع ترتج مثل زلزال، حياة تمرح وتأكل وتتهكم وتصوّر نفسها، تموت فجأة موتاً فاجعاً أو تتناسب مثل أميبيا.


أدسّ نفسي وسط هذه الجموع الصاعدة من النسخ السفلي، وأسبح على موجات من الهوس باللعب والرسم والاختراع، كي أؤجل ذهابي إلى دائرة البريد. أحدث مضمون الرسالة التي يحملها قريني القادم من بعيد، قبل أن ألتقي سحنته، إني أتحول مثله إلى مراسل، وأكتسب شطارة أصحاب الرموز الحروفية، وأبحث عن شخص من فئة الحرف (م)، أودعته رسالتي، وأسرار خططي الباصورية.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية