محمد خضير
مُعلم القصة العربية
بصرياثا محمد خضير تفوز بجائزة عويس
اصداء الفوز
 
 عبد الستار ناصر
في كل مرة أقرأ فيها ما يكتبه محمد خضير أشعر فوراً بسعة المسافة وطولها بين ما يحص
 
عليه المبدع العراقي وما حصل عليه بقية المبدعين في العالم والوطن العربي، فهذا مبدع أصيل حقاً، لو أنه عاش في برلين أو بيروت أو لندن أو نيويورك لكان شأنه ــ مالياً ومجداًــ أكبر بكثير مما هو فيه أو عليه قبل فوزه (عن جدارة واستحقاق) بجائزة السلطان العويس، وكتابه (بصرياثا) أول الشهود علي ذلك.
تري، هل يمكن اختصار (بصرياثا) أو محمد خضير بعبارته المنشورة علي الصفحة 17 عندما كتب يقول:
ــ غيري يتجول في العالم ولا يستقر في مكان حقيقي، أشعر خلافه انني في مكاني والعالم يدور حولي.
وهل سنكون علي حق إذا ما كتبنا أن (بصرياثا) جاء موازياً لسؤال محمد خضير علي الصفحة 107 إذ يقول:
ــ هل صنعت المدن ومحطاتها القطارات؟ أم أن القطارات صنعت المدن ومحطاتها؟ وهل؟ وهل؟ إلي نهايات بصرياثا.. أول كتاب من نوعه في العراق، أول سياحة أدبية من نوعها دون جواز سفر أو وثيقة، وبلا قطارات أو حافلات أو (عربنجية) أو طائرات، كتاب في الإبداع الصرف خلواً من شوائب الافتعال وردود الفعل والسرقة وفرض بعض المعلومات (للتباهي والاستعراض).
أكرر، بأنه ليس من شك في أن (بصرياثا) هو أول كتاب من نوعه، صياغة وإحساساً وإبداعاً فهو يقترب من القصة القصيرة من دون أن يكونها، ويقترب من الشعر دون أن يكونه، لكنه قد يتغلب عليهما أو يخترق أسرارهما وذلك بقدرته علي فك رموز هذا العالم الصغير الكبير المتشعب الغني الذي اسمه (البصرة) حيث تلتحم الذاكرة بسلسلة الطفولة والصبا وبدايات الصنعة الحكائية القصصية، والدخول المبكر إلي منزل الكتابة.
أثبت لنا محمد خضير وللمرة الثالثة بعد (المملكة السوداء) و(في درجة 45 مئوي) أنه المبدع الذي يعيش في صومعة لا يخترقها رصاص (اليومي) أو (الرسمي) أو التآلف من العلاقات التي تأخذ من روح المبدع أكثر مما تعطيه.
لم يذهب محمد خضير ذات مرة إلي النقاد (يستجدي) مقالة من هذا أو خبراً من ذاك، كما يفعل بعض أقرانه ممن يعملون في أجهزة العلاقات الاجتماعية العامة (البروبغندا) سراً أو علناً،
فهو شخص عصامي الروح والجسد معاً، وكتابه (بصرياثا) دون أي شك سيأخذ حصته في تاريخ الأدب العراقي(والعربي عموماً) يوماً بعد يوم وسنة إثر سنة، وقد يصبح من أكثر الكتب رواجاً وقيمة وشهرة وأقول بمسؤولية:
ــ إن محمد خضير تمكن في بصرياثا من عبور الحاجز (الكونكريتي) القصصي المألوف إلي شكل من الإبداع قد لا ينافسه أحد فيه إلي سنوات ليست قريبة.
بصرياثا، وقبل أ، تنعكس الرياح صوب الشهرة المطعمة بالتخريب والقصص المفبركة ــ أسطورياً ــ أو تراكم المشاهد القديمة وعكسها في عمل قصصي مختلف، هي خير جواب علي شعار (عصرنة القصة) وهو نفسه الشعار الذي أوشك حقاً علي (اعتصارها) حدّ جفاف آخر قطرة دم في أوردة القصة القصيرة العراقية، وصار علي بعض كتابها أن تجرعوا سموم التقليد حتي باتت عمليات التقليد سمة لا تفارق أعمالهم، يطلقون علي عمليات النسخ والكاربون تسمية (التناص) وهي ليست سوي سرقات تمت في ليل مبهم ربما حققت لهم شيوعاً واسماً وحضوراً بعض الوقت، لكن الحقيقة ستظهر ذات نهار وينتهي كل شيء.
من الفصول الغنية في (بصرياثا) الفصول كلها، ذلك أنه يربط (أم البروم) بـ(شط العرب)(1) وعلي وجه التحديد يربط (وليمة في مقبرة) بـ(حلم نهر) ليس أقل شأناً من (الزبير عين الجمل) و(عظايا الجمعة) وكلها (ما بين الأقواس) أجمل ما قرأنا من أجزاء، فقد ذهب الكاتب إلي خارطة البطل الجوانية الغامضة التي لا تراها العين الكسول، واحتوي النخيل الطالع من بين الضلوع كما احتوي (بيت الأسد) وقبل ذلك كله كان قد (لمّ) شمل (المدينة المتنقلة) ومختارها وأهلها وصار صانع أساس فيها ولها.
المؤلف البصراوي هذا بصراوي صميم يفتح اليوم باباً لنوع من الكتابة ينبغي الالتفات إليه، صحيح أن بعض كتابنا نشروا في أوقات متباعدة أشياء متشابهة عن ذاكرة المكان لكنني مع محمد خضير أتحدث عن طموح أكثر وأعني بذلك أن يكون لدي مبدعنا العراقي هذه السعة من الحلم والوقت والتأمل في هذه الكمية من المعلومات الخاصة وقبل ذلك هذا الشرح الساحر الذي حقق إبداعاً ــ بل وعبقرية ــ في تأليف كتاب مستقل شامل عن مدينة واحدة،وربما عن حالة بعينها أو حرفة ما أو أي اكتشاف يقع أمام العين لم يأخذ ــ بعد ــ حصته من وعي المؤلف العراقي ورعايته.
أما عن شخصية محمد خضير كاتب هذه الملحمة الجميلة فلا زلت أري أن وزارة المالية كلها ما كانت قادرة علي إنقاذه من إصرار الدنيا علي فقره الجميل المبدع قبل أن تنقذه مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دولة الإمارات وما كانت وزارة الإسكان والتعمير بقادرة علي إسكانه وتعمير بيته في زحمة بناء قصور للقصابين والقتلة ولم يكن بوسع وزارة الصحة أن ترمم شبابه الذي ضاع من بين يديه وهو يبني (مملكته السوداء) ولم يكن بمستطاع وزارة التجارة أن تتبرع بجزء من خزينها الاستراتيجي من الورق لتطبع أعماله المركونة في منزله حتي تساهم ــ حينها ــ في شهرته عربياً وعالمياً.
أما وزارة النقل والمواصلات فما كانت توافق ــ حتي ــ علي توفير قاطرة أو عربة أو أربعة إطارات أو حمار لنقله حول العالم لتحقق شيئاً من سعاداته الحزينة، أما وزارة الثقافة وهي وزارته ــ باعتباره أبرز المثقفين في بلاد ما بين النهرين ــ كما أنها الوزارة الوحيدة التي تُعني أساساً بالكتابة والتأليف كما كانت هي أيضاً بقادرة علي تصدير جبروته الكتابي وأفكاره إلي شعاب الكرة الأرضية بل كانت تحاربه سراً وعلانياً لأن لم يهتف (بالروح والدم نفديك يا حنتوش)!
وبرغم ذلك كله ما يزال محمد خضير يعيش في مكان يشبه البيت خارج أحلام الطغاة، هو الذي يستحق فردوساً صغيراً بحجم القلب وما يزال هذا المؤلف الكبير يشتري الرز ويشرب الشاي علي (عناد) الفاشست، هو الذي يستحق أن يشرب الكوثر والنبيذ المعتق،
وما يزال البصراوي أكثرنا شباباً وصحة بعد أن رحلوا إلي النسيان وبئس المصير وها هو يفوز بثقافته وعناده وصبره ولا حاجة به إلي مخازن وزارة التجارة التي سرقوا تجارتها طوال أعمارنا، وما يزال هذا المبدع ــ كما لا يصدق وزير النقل المنقول ــ يسافر في مكانه بينما العالم كله يدور حوله علي عكس من يسافر شرقاً وغرباً ولا يري أي شيء وفوق ذلك كله ــوكما رأيتم بأنفسكمــ ما يزال محمد خضير أقرب منا إلينا إبداعاً وثقافة وقصصاً لا مثيل لها برغم أنف الوزير الزائل الذي انتهت جولته في المكان الذي ما كان يناسبه أبداً!
وبفوزك أيها الصديق المبدع نكون جميعنا قد فزنا تأكد من ذلك.

بصرياثا، صورة مدينة، محمد خضير، منشورات دار الأمد، 1996 بغداد (طبعة أولي) ودار المدي عام 1997 طبعة ثانية، دمشق.
1 ــ أم البروم ــ الزبير ــ من مناطق البصرة جنوب العراق.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1779 --- Date 10/4/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1779 --- التاريخ 2004 - 4 - 10


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية