اصداء الفوز
جاسم المطير
فوز الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر والقاص العراقي محمد خضير بجائزتي العويس في الشعر والقصة لهذا العام. لا أحد يستطيع ان ينكر اهمية هذه الجائزة العربية التي اثبتت وجودها، في الحياة الأدبية، علي مر الاعوام الماضية بحيادية تامة وبافتراقها عن السياسة والموقف السياسي. لعدة اعتبارات واكثر من فكرتي الاستقلالية والحيادية أقول أن قرار العويس أنبثق وانتظم تلقائيا بحق شاعر ٍ عراقي مجيد تعلق منذ ما يقرب من نصف قرن بحقل الشعر مثبتا انه جوال بهذا الحقل مؤكدا في قصائده وشعريته انتماء الي الانسان العراقي وهمومه والي الانسانية كلها بافراحها وفواجعها. كما اثبت في نظرياته الاسلوبية انه لا يقل في عمله عن عظماء الشعراء العرب والعالميين.. أثبت حسب الشيخ جعفر ان الثورة الوحيدة والحقيقية لديه هي ثورة الشعر في زمن يعج بالأزمات الأنسانية وأزمات الحرية والديمقراطية وبازمات التغرب وبازمات الحكومات الذائبة في المصالح الإقتصادية الضيقة. من هنا تنوعت مفاهيم الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر وتنوعت آراءه وتنوعت أساليب وأشكال صنعته الشعرية والنثرية..لم تكن أعماله الشعرية من صلب السياسة ولا مناهضة لها. لكنها كانت قريبة جدا من مفاهيم ورؤيا الناس المصلحين الذين يجدون في الإنسان قدرة جديدة ومؤكدة لتعريف المستقبل المليء بثراء العدل والحرية وأولها ثراء الشعر بالمعني والمبني الإنسانيين وبميزة مزدوجة للكلمة الشعرية الحرة التي توارت لزمن طويل من أدب العراق الذي صعقته الدولة بالأمر السياسي فمات من اثرها شعراء كثيرون وتغرب خوفا منها شعراء عراقيون كثيرون فخضعوا لأحكام العيش في الغربة المقيتة كان منهم حسب الشيخ جعفر نفسه حين وجدته ذات مدة يعيش في عمان ببيت من صفيح ليس فيه حمام ولا تواليت وحين كان يعيش قبلها في بغداد كأسم مفرد في قائمة مساعدات عبد الوهاب البياتي التي كان قد كلفني، سراً وبعيداً عن أعين سلطة صدام حسين في الثمانينيات والتسعينيات، لتوزيعها، متواضعاً، علي اصدقائه من الادباء العراقيين وابن الشعر حسب كان واحدا منهم. انه حسب الشيخ جعفر التواق دوماً للحرية. عاني من الإكراه ومن الخوف ومن لعنات الجماعات المتسلطة في الحكومات المتعاقبة، تأتيه وتلاحقه مباشرة او بصورة غير مباشرة لا يستطيع معها حراكا ولا تفكيراً. ينال اليوم وساما استحقه من زمن طويل وينال مالاً احتاجه من زمن بعيد، وقد لا تغير هذه الجائزة نظام حياته الشرعي وهو يقترب من السبعين ولكنها تظل حقاً مشروعاً استرجعه مثلما كانت هيئة جائزة العويس قد اوجدت لنفسها صلة بعيدة استكمالاً مع الشعر العراقي المنظم بدقة في اشعار الفائزين بها من قبل كالجواهري والبياتي وسعدي يوسف وانه من المؤكد تبقي هناك مكانة طبيعية قادمة لغير حسب وخضير في المستقبل لبلد مهمته الاولي منافسة شعر العالم كله وأدبه.
و.. حسنا كان قرار العويس بمنح القاص محمد خضير، العراقي أيضا، جائزة هذا العام كتعبير عن الالتقاء الفكري والقلبي والابداعي بين الشعر والقصة في بلد عاني لثلاثين عاما من قهرهما، كان الشعر فيه مسلوبا والكلمة الحرة مدانة . وإذ توافقت إرادة محمد خضير مع ارادة 24 مليون عراقي في البقاء تحت ظلال السيوف الارهابية لم يغادر فيها الارض المقموعة المحروقة بالقتل والاغتيال والسجون، فانه اثبت بذلك أن أرض مدينته البصرة احتضنته كما ارتقي هو أيضاً إلي مستوي هذا الهدف ليدرك بهما غايته الفنية في كتابة القصة، ليس بضميره الفردي بل بضمير اجتماعي فائق الاسلوب تغلبت فيها سلطته الفنية علي أعتي ثلاث سلطات حكمت مجتمعه طيلة أربعين عاما، هي السلطة الاجتماعية القاسية، والسلطة الارهابية المنظمة، والسلطة الانعزالية المرة. وإذا كان الوطن في الأصل هو المنزل فان محمد خضير جعل من القصة وطنه ومنزله وقامت بينهما رابطة الود والحب يسره ان يكتب فيها قصص انسان وطنه ويحزن كلما انتهي من انجاز كتاب قصصي او روائي فهو ادري ان قدسية رابطته بوطنه وبانسان بلدته ووطنه لم تكتمل بعد. فقد مزج محمد خضير فنه القصصي بحاجات الفن العصري وبآمال العراقيين الذي عانوا ظلما وقهراً في الماضي والحاضر وهو يتطلع مثلهم الي مستقبل جديد يواصل فيه كتابة قصصه واعماله مرتكزة علي الاخلاق وعلي الحرية، يستلهم منهما مبادءه المملوءة بأمل أن يكون وطنه متحضراً بثقافة التنوير والتحرير وإلي رفعة وعلو الأنسان العراقي ممجداً بحقوقه مثل أناس آخرين. ظل محمد خضير طيلة فترة ابداعه يناجي وطنه.. يناجي مدينته الثكلي بآلام التحضر المشوه حوالي شط العرب من جهة، وبآلام الثروة المنهوبة في الصحراء الجنوبية من جهة ثانية، وبآلام أهوار بصرياثا المريضة اسماكها بالسموم من جهة ثالثة، وبآلام الخليج القديم الذي تاتي منه بوارج المصائب من جهة رابعة.. انها مدينته المميزة بماض من الافكار وجمهرة العلماء والمفكرين وبحاضر الافكار التي شوهتها حكومات لم تكن عاقلة في علاقتها لا مع الناس ولا مع الفكر والفن والادب.. انها مدينة مسالمة، خاضعة أو متمردة، تنكمش تحت ظلال دولة من نوع النظام المظلم القديم وهي تضمن، بالقوة الحديدية، امتيازات الطبقة الحاكمة وتحرم الكتاب والشعراء والمبدعين بمستوي ادني بكثير من حقوقهم فكان محمد خصير واحدا من المنزوين في بيته الصغير باجازة دائمه تصحبه امتيازات فنونه القصصية وأدوات وسيطة بسيطة من الأوراق والأقلام وبعض زيارات من الاصحاب وبمرتبة عالية من صفات الخجل تجاه المجتمع وبصداقة قروية مع مكتبته البيتية. كان فنه القصصي قد ابتعد عن الهجرات.. لا هجرة الي العاصمة ولا هجرة الي بلدان الجيران او العالم. بل خطط لفنه ان يندمج مع مختلف انواع السلالات من هموم وطنه وشعبه في البصرة والعراق فاستطاع ان يبني عناصر قصصية جديدة تحمل نفس صفات العناصر المكونة لشعبه كله محققا اندماجا واختلاطا بين فنه القصصي وهموم وصفات أبناء مجتمعه فتكونت لديه آمال وآماني حقق بعضها فنال عنها فيضا من روح نقاد عرب مبدعين ومنظرين، مثلما نال اليوم تعظيماً شامخاً يستحقه بنيله جائزة العويس وهي أحدي أهم الجوائز العربية القادرة علي قول النقد الحضاري علي ادب الكتاب العرب بجرأة و بمحاولاتها في إيجاد شكل من اشكال الوحدة الثقافية بين المبدعين العرب بمعاني جائزتها لتكريم ثقافة الافراد المبدعين في كل زاوية عربية كما البصرة المدينة التي يطل من كوتها الضيقة محمد خضير مؤسسا ركيزته الفنية القصصية المطلقة بهدف ضبط عوامل الاضطراب والمتعة والهندسة الاجتماعية في مدينة عريقة الاصل لكنها لم تطل بعد علي منجزات العصر بسبب سيادة الحكم المطلق وسنده العقلي المتخلف منذ زمن طويل.. حسب الشيخ جعفر ومحمد خضير احييهما فقد نالا وساما المقاومة المشروعة والواجبة دفاعا عن حرية الكلمة..
أحيي كوادر وعلماء وأدباء جائزة العويس فقد ظل عقدهم لامعا..








