محمد خضير
مُعلم القصة العربية
إستعمال الرواية
الأشتغال بطموح المرحلة الجديدة
 
 
محمد خضير
  

اهديت نسخة من (كراسة كانون) الي صديق مع عبارة (الي ..... كل شيء في اوانة) قصدت بها لفت انتباهه الي قراءة الرواية بشروطها الانية، ومكافاتها بما فيها ، ان حقيقة فحقيقة بحقيقة، وان خيال فخيال بخيال. اذ ان قراءة رواية لا تتطلب اكثر من مبادلة عادلة لرواية برواية، وواقعة بواقعة، وفكرة بفكرة،ـ بلا زيادة او نقصان.
لو اردت انطاق حيوان بلسان البشر (كما فعلت في الكراسة) فلن افعل اكثر مما فعلت (كليلة ودمنة) باجراء الاستنطاق المجازي وكانه انطاق حقيقي. ولو ابتعثت (ابن سينا) و(الحريري) و(عشتار) والكاتب السومري (دودو) للحياة في بناء روائي معاصر، فسابادل اشارة باشارة من مؤلفي العصور القديمة تجسد هذه الشخصيات واذن ستقتصر عملية التاليف الروائي علي التجسيم الاشاري لصور متكررة في ذاكرة السرد الخيالية. وما عدا هذا التجسيم الاشاري للصور المتخيلة، خذ ما شئت من عناصر الواقع الراهن لترصن عملك. كن تقليديا او تجريبيا، بلزاكيا او واحدا من جماعة كونديرا، فلن تصنع اكثر من (رواية) ولن تبلغ الحد النهائي لتاريخ النوع وابتكارته، او تفك لغزا اتعب عمالقة الرواية فاستغنوا عن حله بتاليف الغاز اخري، وكل لغز تتجلي فيه بساطة التركيب الكامنة في شبيه قولنا (كل شيء في اوانه) او(ثق بالرواية).

وصية حماد عجرد
قد تصلح نصيحة حماد عجرد لابي نؤاس بحفظ الف بيت من الشعر ثم نسيانها، في توجيه الكاتب الذي يريد ان يجرب حظه بكتابة رواية. تختلف قراءة الروائي لامثاله من الروائيين من قراءة القارئ الاعتيادي، والقارئ الناقد ربما قرا نجيب محفوظ مئة رواية من الادب الكلاسيكي لكي يبدا كتابة روايته الاولي، ولعل غائب طعمة فرمان قرا مثل هذا العدد من الروايات الواقعية قبل ان يكتب (النخلة والجيران) ، وماذا قرا ماركيز لكي يتكب (مئة عام من العزلة)؟ يقول انه قرا فوكنر. فاذا اراد جيل الروائيين اللاحق لهؤلاء توطيد دعائم بناء روايات الماضي او نقضه ببناء من طراز اخر، لا يكفي هذا الجيل..التهام مئة عمل روائي عظيم من نتاج القرون السابقة. ان لم يهضم ما تضمنتها من مضامين وتقنيات، ثم يطرح ما هضمه مع افرازات واعيه الي خارج تجربته الخاصة. اما اولئك الذين لم يفلحوا في قراءة عشرين عملا عظيما، فالارجح ان احدهم لن يكون قادرا علي انتاج عمل روائي واحد ذي قيمة من اي طراز. من حسن حظ القراء العرب ان تترجم لهم رواية (الطبل الصفيح) مع اخر سنوات القرن العشرين. ويبدو ان عقد روايات القرن بقي ناقصا فلما اكتمل نظام العقد واصبح لدينا ما لايقل عن مئة رواية من (الروايات الملعونة ) صار من حسن اتقان الروائي صنعته ان يقرا هذه الروايات المئة، قبل ان يقدم علي كتابة روايته، وكان عدد هذه الروايات (عشرا) عندما وضع سومرست موم كتابه عن اشهر روايات عصره. ان ذائقة روائي هي بدرجة ذواقة الانبذة المعتقة، او صانع العطور المنعشة، لذا فان قراءة رواية هي من درجة كتابة رواية لاذعة، لكن تجربة بمستوي الوعي الروائي ليست تذوقا محضا، او تدريبا حسيا فائقا، انما هي ممارسة من درجة (الفناء) في عشق النوع الروائي.

غرفة راسكولنيكوف
لابد اننا قرانا دستويفسكي ، لكن ما كان يثير كل قارئ منا في رواياته شيء مختلف، مقاطع راشحة امام اعيننا بقطرات الهام نزرة، واخري تترقرق في اذهاننا وقتا طويلا تبحر بنا بعيدا الي ما وراء الملاحظة اليومية، وهنا اسال: هل قرانا دستويفسكي حقا كما قراه غيرنا؟ ولي ان اجيب: نعم ولا. بحسب قرائتنا لمقطع فريد تجاوزناه مسرعين الي ما يليه.
ربما علق في ذاكرتنا من (الجريمة والقاب) مقطع قتل المرابية العجوز علي يد راسكولنيكوف. لكن ما قنصه ميشيا بوتور من البناء المسهب لهذه الرواية كان تركيبا شعريا اقل اهمية من قتل العجوز. فقد اثار اهتمام الروائي الفني وصف دستويفسكي لغرفة القاتل وعرض محتوياتها من الاثاث واللوحات والزهور في ضوء الشمس، اعاد بوتور توزيع فقرات (الغرفة الخيالية) في كتابه الشهير (بحوث في الرواية الجديدة) لكي نبصر بعيني الشاب المقبل علي ارتكاب الجريمة اثاث غرفته.
في قراءة مجاورة، لم يعثر الروائي الانكليزي د. هـ لورنس في الحكاية الفرعية المسماة (المفتش الاعظم) علي دلالة مركزية ملخصة لرواية (الاخوة كرامازوف) كما اوحي اليه بعض النقاد لقد نظم الابن (ايفان) هذه الحكاية في قالب قصيدة النثر. وتخيل فيها يسوع المسيح هابطا الي ارض مدينة اشبيلية في مرحلة من افظع مراحل محاكم التفتيش. فلما لمح الكاردينال- رئيس المحاكم- المسيح متجولا بين البشر، امر حراسه باعتقاله وايداعه السجن.
ولم يغير لورنس رايه في هذا المقطع (ف 5 ب5) من الرواية عندما اعاد قراءتها، اذ لم يجد فيه سوي (حكاية مزعجة) و(موقفا متكلفا ساخرا شيطانيا) لكنه كتب مقالة حلل فيها حوار المفتش مع المسيح في السجن، بوصفه حوار (الحقيقة ضد الوهم) في شخصية (ايفان) وهو نفسه الفكر الشيطاني المتمرد ضد الالهام الروحي في شخصية دستويفسكي.
نعود الي الحكاية: في حلكة الليل، حمل الكاردينال مصباحا وفتح باب السجن الحديدي، ودخل علي سجينه علي انفراد، كان حوار المفتش الاعظم احاديا، اذ كان المسيح صامتا ولم يجب بكلمة واحدة علي اسئلة المفتش، لكنه طبع قبله رقيقة علي شفتي سجانه في اخر الحوار، اذهلته وارعدته ودفعته الي ان يشرع باب السجن ويطلق سراح اسيره. فهل يعد هذا المقطع (الحكاية ) من الرواية مونولوجا طويلا يمكن رده الي جنس خطاب هاملت مع نفسه في المقبرة؟ لا فقد حاور ايفان اخاه اليوشا بما تضمنته قصيدته النثرية الطويلة. وكان اليوشا يقاطع قراءة اخيه باسئلته وملحوظاته لكننا قد نقارنها بحكاية (الكابتن كوبيكين) في رواية (النفوس الميتة) لغوغول، او حكاية (القانون) التي يرويها كاهن كنيسة السجن لجوزيف ك.
في رواية (المحاكمة) لكافكا ولعل كافكا انتبه الي حكاية (المفتش الاعظم) حين قرا دستويفسكي (خلاف لرونس) ولعل دستويفسكي حين قرا غوغول ادرك اهمية الحكاية الفرعية في (النفوس الميتة)، ولعل الروائيين اللاحقين الذين يقراون امثال هذه المونولوجات والحكايات الفرعية سيفكرون بمقاطع جانبية تؤدي الادوار الرمزية ذاتها في رواياتهم. وهل كنت قارئا جيدا لغوغول ودستويفسكي وكافكا عندما ابتعثت الرسام غويا من قبره في ارض محاكم التفتيش الي ارض البصرة متجولا بين احيائها المظلمة في (كراسة كانون)؟ ان قراءة الروايات بتلك المقاصد فعل انتقائي نقدي كاشف اوله كشف واخره اقتداء وبناء. و(كراسة كانون) في حقيقتها مجموعة حكايات فرعية.
هناك من يعتقد ان قراءة (احترافيين) من درجة بوتور ولورنس لا يحتاجون الي ادراك من نوع خاص تمدهم بهم تجارب ديستويفسكي ، وانما تمس هذه الحاجة قراء (اعتياديين) يطمحون الي ترقية اذواقهم وتوسعة مداركهم بما تضفيه قراءة القمم من كشوف عظمي الي تجاربهم القرائية. ان فئة ثالثة من القراء (السلبيين) تضم بين ظهرانيها عددا من كتاب الرواية- لا يعتصرون من معاصر الروايات العظيمة سوي قطرات شحيحة في كؤوس قراءاتهم تتبخر بعد حين بسبب الذوق الجاف والخصوبة الضعيفة، هؤلاء هم موضع تساؤلي: كيف لا تجعل قراءة خمس روايات عظمي قارئا (اعتياديا) اسيرا في دائرتها، واني لقارئ (محترف) اتم قراءة عشرين رواية عظيمة قراءة مقصدية ان يهرب من القدر الروائي الذي ينتظره؟.

استطراد
استطرد هنا لنقد مفهوم استقيناه من روافد النظرية الروائية الغربية المترجمة الي اللغة العربية، وادي انجرافه عن مجراه الي تعكر صفو التجربة الروائية العربية وغزارتها الايحائية، اذ طالما ترجم الشق الاول من مصطلح (موت المؤلف) الفرنسي الاصل مقابل كلمة (death) الانكليزية التي تعني الموت الجسدي في حين ان المصطلح الاصلي يهدف الي ايصال المعني المجازي (mortalita) لا المعني الحرفي (mort) لذا كان الاصح ان يؤصل شق المصطلح الروائي هذا في افياء الانتشاء الروحي للذات العربية المنتجة في حضرة موضوع الانتاج، اي بتعبير اخر، امتثال الذات الثانية (الرواية) لوعي الذات المرجعية الاصلية (المروي لها او لاجلها) والاختفاء (الاحتفاء) بحضورها. اما الدليل علي هذا الغياب الحضوري للذات المنتجة، فيترشح من استعمالها لصوتها في درجات من الالوان والاخلية والنبرات فالاستعمال اللغوي المجازي، هو اخفاء لوجود الراوي (الحقيقي) وانابة المؤلف (المجهول) في قلب عمله. وكان الصوفي المتحرق للفناء يثبت حضوره بلغة لا يفهمها الا من يخاطبه بها، فكانها الدليل علي وجوده بعد فنائه. يسمح هذا الاستطراد بشان ترجمة المصطلح الاجنبي بافتراض مبدأ (مجهولية المؤلف) بدلا من مفهوم (موت المؤلف) في عملية الانتاج الروائي. فالفرق مؤثر في استعمالنا النظري للمصطلحين بين ان يكون المؤلف (حاضرا- مجهولا- في- عمله) وان يكون (حاضرا- ميتا- عن- عمله).

رواية محظوظة ومؤلف سيء الحظ
تعتمد كتابة رواية علي التحضيرات والمعلومات التي يستغرق جمعها نصف المدة الفعلية للبدء بكتابة المسودة الاولي. واذا اضفنا مرحلة تنقيحات المسودة، فانا انجاز رواية يتطلب ثلاث مراحل: التحضير والتدوين والتنقيح، واجد ان المرحلة الاخيرة تعادل المرحلة الاولي زمنا واهمية. وقد تشمل مرحلة التنقيح اعادة كتابة المسودة مرات. ان اكثر الانماط الروائية احتياجا الي مثل هذا الاعداد الزمني الطويل هي الروايات السياسية والتاريخية والسيرية. التي تجري مجري الخيال. احتاج ماركيز الي الاف الوثائق والي فريق من المساعدين للبدء بكتابة روايته (الجنرال في متاهته) عن حياة سيمون بوليفار. وقضي علي بدر ثلاث سنوات لجمع المادة الوثائقية عن مدينة القدس. ويعتمد امين معلوف علي خزين كبير من المعلومات مبرمج في حاسبه الشخصي. ويؤرشف نجيب محفوظ حياة شخصياته قبل اطلاقها في رواياته. وكان صنع الله ابراهيم قد كتب (تلك الرائحة) من يوميات متراكمة. وكما نعلم فان الاساس الذي نهضت عليه روايات اناييس نن بدا من مذكرات وملاحظات يومية مسهبة. هكذا يزداد العمل الروائي رسوخا يوما بعد يوم بوجود مشاغل تجريبية في مفترق الطرق الروائية العربية والعالمية.
فهل اتيح للروائي العراقي المقيم في قلب المكان المسور هامش حر، يقيم عليه مشغله السردي؟ لا يجهل الروائي العراقي حقيقة اشتغاله في مناخ من المؤثرات الصعبة. وكما نعلم ايضا لا تتاح للروائي العراقي مرحلة واحدة من مراحل التحضير والتامل الضرورية لبدء كتابة مسودات عمله وتنقيحها، من غير شعور بالارهاق والتوتر والضيق والاحباط، حتي تعددت مشاغله واحيطت بحالات طارئة، وحراسة مشددة، والتزامات فورية، انه اقل الروائيين انتاجا في العالم، يعمل في داخل نطاق ملغوم بالهواجس المميتة، وتجوس شوارعه المدرعات الحربية، وتدجج احلامه الاسلحة المنظورة وغير المنظورة.
اجبر الروائي العراقي علي تجاهل تاريخه الروائي، وما عاد يثق كثيرا بالبدايات والنهائيات واظنه يريد ان يقتص من صحوته الواقعية بتاكيد حلمه العقلي الذاتي الحافل بالمسوخ والغيلان. اقام مشغله بين مرحلتين عاصفتين ، وحلمين داميين لكنه يكافح من اجل رواية تضعه في بداية مرحلة جديدة، ولا ينبغي لحراس احلامه ان يشككوا في هذا الكفاح الاعزل، او ان يتقحموا عليه مشغله الذي يتامل فيه ويحضر تخطيطاته.
اجل انه مؤلف سيء الحظ، لكن الرواية التي يكتبها ستكون اوفر حظا من روايات الماضي. ان روايته المدحورة وحدها ستبقي.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية