محمد خضير
مُعلم القصة العربية
اسرار الحكاية الجديدة

 

وديع شامخ

يبدو ان الدخول الى ( مفاهيم ) محمد خضير ولا أقول مصطلحاته، يحتاج الى مجسات حساسة للتفريق ، بين منطقة الخيال عنده بشقيها التنظيري والإبداعي . لان محمد خضير ذاته يسعى جاهدا لاخفاء او إبراز هذا التناقض كنوع من الضبابية المشروعة ، لإيجاد مرونة من النظر أليه كـ (فايبر اكلاس) بوصفها مادة تتألف من ألياف زجاجية وبلاستك صلب. تصلح لصناعة الزوارق التي تستخدم ،للنزهة والهجوم العسكري المباغت ، ولسباقات الرياضة البحرية.
لذا فان براهين محمد خضير ستسند الى قوة البرهان التعسفية ومرونة البساطة في مناقشته لفن القصة القصيرة، يقول (تلك البساطة التي نفكر بها وكأنها رؤيا من رؤى الخريف المفاجئة ، ورقة مرتعشة تجرفها الرياح الرطبة على ساحل الواقع او الحلم، لمسة من لمسات الفكر التي تضيء المخيلة وتملؤها بالإشراق ، رسالة تغص بالعلامات الغامضة التي سقطت من لغة الإنسان)، ويستدرك الكاتب (لكن هذه تأملات لا تحدد البنية المتماسكة المميزة لهذا الفن بقدر ما تنحاز الى طبيعتها الأنزلاقية التي شخّصها - أي .هـ. ييتس)-،لهذا اغتنى تاريخ النوع بتعريفات بعيدة عن التحديد او التشخيص البرهاني الذي نتوخاه) . وهو يدخلنا في متاهة الانزلاق بين البرهان واستخدامه ينحاز الى تعريف مخصوص أورده( محمود تيمور) : (بوصف القصة روحا قبل ان تكون مظهراً.)وكأنه قد نسي ثالثة ورابعة ، او تناسى، احتفاءه بالمثل الأفلاطونية كمصدر أول بعيدا عن فهم بورخس لها !! محاولا سحب القصة القصيرة من تعريفاتها الشائعة (الفكرة ، الشخصية ، الحبكة ، الايجاز، التكثيف، البراعة، الجمال) كتكريس لوضعها الأرستقراطي، النمطي، ليضعها مرة واحدة في الأثير كورق شجر الخريف ، متشظية يتلقفها الكاتب في لحظة رؤيا، ليصوغ منها نواة للتنكر بقناعه الاول. وبهذه البساطة البرهانية يفترض محمد خضير ان بساطة القصة القصيرة هي بمثابة رؤيا لا يقنصها إلا صياد القصة القصيرة، متماهيا مع بورخس الذي طرد (دانتي) من مملكة الرؤيا في (الكوميديا الإلهية) بفهمه: -ان الرؤيا هي لحظة قصيرة ، توهج لا يمكن الاستمرار فيها في عمل كالكوميديا الإلهية-. ويؤكد خضير ثانية هذه الفكرة / الرؤيا بوصفها الوهج والبرهان، (ان انبثاق قصة ما، هو لحظة برهانيه عميقة).
وحتى لا تسلب اللحظة بمفهومها الزمني البرهان الفلسفي القائم على المقدمات والنتائج، او المفهوم الرياضي القائم على المنطوق والمطلوب إثباته والمحصلة البرهان (القصة برهان متكامل على وجود متماسك يتجاوز وجودنا الحسي) .
ان البرهان المقترح من قبل القاص لا يقنعنا كقصة او رؤية، لشرط هذا الفن المقترن بالرؤيا كحقل لانتاجها فقط.
لكن القاص أراد ان يجعل للقصة كحكاية بسيطة ، محمولات فلسفية ورؤيوية، بمثابة مرور القصة القصيرة الى خان الرؤيا ببساطتها كحكاية لا تنتمي الى زمن مراهقتها الأولى ، شفاهيا.
ان محمد خضير عندما انحاز الى بساطة النوع ، يعي انه قد يثبت شرعيته من خلال مرحلتين:
1-الدفاع عن النفس بالهجوم على الواقع ومراوغته.
1- وعي التجربة أو رصدها بتقديم البراهين على استمرارها .
وهنا يبدأ السؤال : ماذا يريد القاص من الحكاية ؟
بعد ان كانت عبارة عن (مرور التجربة بغربال الوعي)، والوعي عنده هو الحلم على طريق تفسير كولديرج (ليس المهم ما نحلم به ، بل المهم هو بحثنا عن التفسيرات)، هنا محمد خضير يمضي بحكايته (القصة القصيرة) الى مصاف أعلى من بقية الفنون السردية ( لكن لماذا نرفع القصة القصيرة على غيرها من الفنون لحمل مثل هذه المزايا الجوهرية؟ هذا لسبب رئيس يتعلق ببساطتها الجوهرية)،
ماهي البساطة الجوهرية عند محمد خضير ؟
يغادر الكاتب (الواحد الفيثاغورسي) ليبني حاضنة محلية ، عربية ليؤكد البساطة الرياضية الواحدية، الغنية بالتماثلات والأرقام والحروف واكتشاف أسرار النصوص من خلال هذا التماثل. يقول: لقد وجد العرب في القصة (أسموها رسالة) وسيلة رمزية للبحث عن أسرار الوجود الإنساني، كما وجدوا في تناسب الحروف والأعداد دلالة على كمال الوجود. لذا يطرح الكاتب مفهوما يستبطن المركبات العددية الفردية والزوجية اللامتناهية. وما يسبب اتحادها بالأعداد الأولية 2، 3، 4، 5، من فرضيات أساسية لاثبات الكمال والتوحد والانسجام بين الكائنات. وبهذه الطريقة يصلّ محمد خضير الى حقيقة التركيب الخماسي لعناصر القصة القصيرة (الشخصية، الحبكة، الزمان، المكان، الفكرة)وهي طريقة استعملها ( في الاستنباط العددي تُحيي الطرق القديمة التي استنبط الأدباء قيم الأشياء من قيم الأعداد والحروف التي تناسبها).
ان محمد خضير هنا يضع نفسه في خانق نظري بالتعامل مع الفن، إذ لا حقائق ثابتة ولا طرائق ولا وصفات محددة تؤدي الى الفهم والتشريع للفن. أننا نرى ان محمد خضير عندما وصل الى قناعته الرقمية والحروفية وتعميمها كقانون لفن القصة، فهو قد وصل الى نتيجة شخصية محضة لا يمكن تعميمها على فن القصة القصيرة عموما . لكن محمد خضير لا يتقبل بطروحاته استنتاجا كهذا ، لانه يدافع عن إثبات البساطة الواحدية الرياضية، كبساطة جوهرية لفن القصة القصيرة ، ليس بفهمه عنها وكشوفاته فقط ، كذلك يرى إنها سوف ترفع القصة القصيرة الى درجة أعلى من فنون القول الأخرى لحمل هذه المزية! ، وهذا برهان خارج اللحظة /الرؤيا التي ولّدت القصة القصيرة، عن غيرها التي تخضع لقانونها الخاص.
ان خضير في بحثه الدائم عن البرهان خارج ( الواحد الفيثاغورسي) ورؤيا بورخس العميقة والبسيطة، وانتمائه الى طرق عربية برهانية يستنبط منها قوانين القصة الرؤيوية، إنما هو محاولة مبدع (يتناص) مع اكثر من موقد وينبوع لاغناء واذكاء كشوفاته النظرية في حقل القصة القصيرة. لذا نرى ان الكاتب يضيف تعريفا آخر استمده من السينما للقصة، (سأضيف اليوم الى تعريفاتي مثالا آخر استوحيته من (البستاني) الذي مثل دوره (بيتر سيلرز)، يقول الممثل: مادام النبات سالما فلن يميته الصقيع). ويمضي للتأكيد ( والحقيقة ان البستاني لم يرد تعميم حكمته، كالقصاص الذي لا يريد ان يبرهن على دقة عمله ببراهين عامة من خارج حدود قصصه مجال خبرته-) نستطيع ان نقول ان تعريف محمد خضير الجديد هو إحساس بوطأة التنظيرات وصرامتها ، والتي لا تتوافق مع شعرية محمد خضير الذي تورط في التعقيد النظري للرؤيا ومتاهاتها .
يقول بورخس (ان الأنا اعظم الأوهام ) .
يذهب محمد خضير المفتون بـ( النواة) ، برسم دائرة جعل النواة مركزها كمقدمة للبراهين، ورسم في أغلفتها مدارات المخطوطة، النص، القصة، البحث او السفر، المؤلف الراوي ، مجهولية المؤلف، اليوتوبيا، الواقع، التمثل الذهني.
إذ ان هذه الدوائر والمدارات حول النواة بوصفها لحظة البرهان المشرقة ، لينتهي الى حرق الأغلفة بالاحتراق والتمثل. (ولعلي هنا أؤكد هذا المنحى حيث أدعو إلى تصميم القصة باعتبارها عملا مدبرا يبرهن على وجود نواة تختفي فيها جينات الثيمات اللامحدودة التي انشطرت عن الموضوعات الخالدة الحياة، والحب والموت).
أين يسير محمد خضير بنواته؟
(النواة هي لوجوس القصة ، هيولها ، واما ما يتفرع من النواة فهي ثيمات لا حصر لها).
يريد محمد خضير ان يقول بالبرهان انه نواة في عالم القصة القصيرة وما التناص او المقابسات الا ثيمات تحترق في حاضنة النواة الأولى _ هذا ما سنتوسع به في الحلقة التالية:
ان محمد خضير يعي المسافة بين ان تكون نواة او مدارا ، يقول في تعليقة على قصة المطاردة لاينو بوزاتي) (ومما لا شك فيه ان السرور الذي يغنمه الإنسان من حياة الغنى والرفاه والهناء سرور كبير ، ولكن جاذبية الهاوية اكبر)، كما يشير الى قصة الأنف لـ(غوغول) بالقول (يبدو انه لا يوجد في الكون شيء طويل الأمد ولذلك فان السرور في الدقيقة التالية لم يعد كبيرا ، مثلما كان في الأولى ، أما في الدقيقة الثالثة فقد بات اضعف ، وألتحم في النهاية بالوضع العادي للروح ، كما هو الحال في الماء حين تلتحم الدائرة التي يولّدها وقوع الحجر، في النهاية بالسطح المستوي).
وتزداد صعوبة إدراك المعنى الذي يكمن في نواة قصة رمزية مثل قصة كافكا (طبيب القرية) (لقد اتبعت مرة الدق الخاطئ لجرس الليل، ولن ينصلح الخطأ أبدا).
هذه مجموعة من حقول (النواة) في القصص المشار إليها كحقيقة مركزية يعتمدها خضير للبحث في صيرورة النواة، ليست كمهيمنة وراثية، ولا هي صدى للدوائر التي يحدثها وقع الحجر في الماء.
ان النواة عند محمد خضير هي المدونة الأولى لتاريخ نوع ما. وبما انه ينتمي الى حقل القصة الذي يحتمل وجوده من خلال نواة او مدارات متناثرة لا حصر لها، سيقرر محمد خضير التالي (ان القصص جميعها تحاول ان تبرهن على نظام المخطوطة، حيث يتقبل بناؤها ان تعمل عناصر الحبكة والاتجاه المحوري للزمن، والتصميم التوزيعي للمكان ، على إنها هامش تأطيري للنواة الموضوعية المركزية فيها) .
ان محمد خضير هنا انتمى الى النواة ببساطتها الحسابية وانشطارها العددي مبتعدا قي الوقت ذاته عن حاضناتها كما يبدو من خلال الاستكانة الى فطنته في الطرح ، ولكنه أراد ان يُطيح بكل نواة، ما عدا المخطوطة التي تكون غالبا بلا مؤلف معلوم كالاسطورة حسب رولان بارت-. وما القصص إلا منطوق للمراد إثباته وهو البرهان. بهذا يضع محمد خضير المخطوطة كأثر أول، يريد أبعاده عن الحيازة كنواة- من الجميع. وكأنه يقول: ان المخطوطة لا أب لها. إنها ملقاة في الطريق الى الآخرين، والمسافرون في حقل القصة، إنما يحومون حولها. كلّ ببرهانه، المؤدي الى منطوقة الخاص لاثبات وراثته للنواة.


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية